الرئيسية / home slide / هل تهرّ المنظومة السياسية… على المدى المتوسّط؟

هل تهرّ المنظومة السياسية… على المدى المتوسّط؟

يوم بدأت “ثورة 17 تشرين الأول 2019″ شعرتُ بسعادة غامرة رافقها قلقٌ من أمور ثلاثة. الأول خوف غالبية أحد الشعوب اللبنانية من استهدافها الثنائي الشيعي وسلاحه الأقوى والأضخم من سلاح الدولة ودوره الكبير جداً في لبنان الذي جعل دولته عاجزة عن ممارسة دورها استناداً الى الدستور والقوانين النافذة والمرعية الاجراء. إذ من شأن ذلك دفع الثنائي الى التصدي لـ”الثورة” ولا سيما بعدما رفعت مع مشاركين كثيرين شعارات تمسّه مباشرة. والثاني نجاح القيادات السياسية الأكثر فعالية وقوة في الشعوب اللبنانية أي السنّة والمسيحيين والدروز في “التغلغل” داخل “الثورة”، إذ خافوا منها على دورهم ومواقعهم ونفوذهم والفساد الذي شارك معظمهم فيه مع الثنائي المذكور أعلاه، وتالياً في إجهاض محاولات تفاهم المشاركين فيها وكان عددهم كبيراً جداً في بداياتها على قيادة موحّدة لها ومشروع وطني يحاسب هذه القيادات على ارتكاباتها المزمنة ويؤسّس لدولة جدية يكون الولاء الأول لها، وتكون دولة المواطن لا الطوائف والمذاهب والأديان. أما القلق الثالث فكان اختلاف “قيادات الثورة” أو قسم مهم منها على الأدوار وتنامي طموحاتها السياسية السريعة الأمر الذي يهدّد وحدتها وتمسّك بعض الأحزاب التي غربت شمسها بتولي القيادة.

هذه الأمور الثلاثة حصلت مع الأسف. وأعطت التظاهرات السلمية فرصة للمذهبيين والطائفيين لتعميق الانقسام رغم معرفتهم أنها ستؤدي الى حرب أهلية ربما اقتناعاً منهم بأن الغرب سيتدخل معهم ضد من يعتبرهم أعداءً في الظاهر على الأقل. لكن “الكورونا” الذي يُقال أنه عطّل الثورة ومنعها من الاستمرار وزيادة التحشيد وتالياً من الانتصار ربما على استحالة ذلك، رحمها لأنه منع انكشافها وانتهاءها وحال دون تحوّلها حرباً طائفية مذهبية.

طبعاً لا يقف “الموقف هذا النهار” ضد “ثورة 17 تشرين” لأن كاتبه كان قبل ممارسته الاعلام مهنة ورسالة في آن مؤمناً بدولة علمانية أو مدنية هدفها المواطن وحرياته ولقمة عيشه ورعاية حاجاته وحماية وحدته. وكان يحلم بـ”الثورة” ويتمنّاها أو بالتغيير الجيد. لكن أحلامه كانت تتحوّل كوابيس الأمر الذي جعله شكوكاً ومدققاً وزاد تمسّكه بالتغيير. وهو ليس اليوم ضد ثورة أمس الأحد إذ أضاف التفجير “الهيروشيماوي” المدمّر للبشر والحجر دافعاً إضافياً لا يمكن تجاهله. وربما هذا ما دفع الفريق الأقوى أي “الثنائية” الى التروّي والهدوء والى ابعاد شارعها عن الاستفزاز رغم مظاهر عدة كان أبرزها “المشانق” في ساحة الشهداء. فضلاً عن أن عفويته والوجع الفعلي للناس المصابين بعائلاتهم أو بسكنهم أو بأشغالهم كان له دورٌ في التروّي لأن مصلحتها كما مصلحة الآخرين من أبناء الوطن هي لملمة الجراح والبحث فعلاً عن حلّ سياسي. لكن بعض الأمور التي حصلت في “الثورة” الثانية لا تشجّع إذ ظهرت في وضوح محاولات لاستخدام الثورة المتجدّدة لتحقيق أهداف بعضها سياسي و”مواقعي” إذا جاز التعبير. وربما كان لزيارة ماكرون لبنان والمدرسة أو الكلية التي حاضر فيها في قصر الصنوبر والتي لم تعجب البعض دورٌ في ذلك. في هذا المجال لا بد من الاشارة الى أمور عدة. أولها أن تحرّك الضباط المتقاعدين باحتلالهم وزارة الخارجية ووزارتين أخريين لم يعطِ انطباعاً أنه يصب في مصلحة الثورة. وثانيها أن “حركة الانقاذ” التي أسّسها العميد شامل روكز نفّذته باعتراف أحد أركانها العميد جورج نادر. وثالثها أن الوزارات التي استُهدفت مواقعها في المنطقة المسيحية ويشغلها عونيون. طبعاً “الموقف هذا النهار” معروف بمعارضته للعونية ومؤسّسها ووارثها لأسباب وطنية. لكن الاكتفاء بذلك يوحي بعملية “ثأرية” الى حد ما. علماً أنهم لو توجهوا لاحتلال وزارات أخرى في منطقة إسلامية لحصلت تطورات بالغة السلبية. فضلاً عن الطريقة التي خاطب بها “عميد الجبل” اللبنانيين عبر وسائل الإعلام لا توحي بالاطمئنان. إذ تحدث عن انقلاب وبلاغ رقم واحد رغم أن من معه ليسوا من الجيش العامل وبعض حركاته ذكّر الناس بعون 1988 – 1990. كما أن غياب روكز عن الحركة رغم موافقته عليها أثار الكثير من التساؤلات.

ماذا عن المحادثات التي أجراها رئيس فرنسا ماكرون في بعبدا وقصر الصنوبر؟ طبعاً من يزعم إعلامياً أنه يمتلك محضراً عن المباحثات يكون مبالغاً. لكن بعض الذي تسرّب منها من معلومات وتحليلات يشير الى جدّيته والى طرحه الأمور بشفافية وصدق ورغبة في منع الانهيار الكامل للدولة ووقوع الشعوب في حروب “أبدية”. وهذا أمر لاحظه الناس في أثناء كلامه معهم في الجميزة ومار مخايل كما في مؤتمره الصحافي. لكن بعضه يشير الى أن “وجوهاً” لثلاثة مشاركين كبار في اجتماع قصر الصنوبر كانت سوداء عند خروجهم، والى أن مشاركيْن بديا مكبّليْن والى أن مشاركاً واحداً بدا ضائعاً. ويشير أيضاً الى أن محاولة لبنانية “غير رسمية” جرت لجعل الاجتماع اجتماعيْن يضم أحدهما 8 آذار ويضم الآخر 14 آذار. لكنها فشلت بسبب رفض ماكرون، إذ بُلّغ صاحب المحاولة أنه تعمّد أن يجمع الفريقين معاً لأنه جدّي ولأنه ليس وراء اجتماع شكلي ينتهي مفعوله بعد عودته الى باريس. ويشير ثالثاً الى اقتناع فرنسي بأن المنظومة السياسية المتنوّعة في البلاد كما الدولة وصلتا الى الحضيض، وبأن الحل يقضي بأن “تهرّ” ولكن ليس بواسطة الفوضى والحروب ودينامية الشارع بل الشوارع، بل بواسطة المؤسسات نفسها على تعاستها وليس فوراً وإنما على مدىً متوسط. إذ أن الهدف إعداد كل شيء لتجنّب الفراغ ولوضع أسس قوية وعميقة لدولة جديدة تبعد “لبنان الكبير” عن الموت بعدما اقترب منه كثيراً. ويشير رابعاً الى أن لبنان أمام فرصة جدية جداً قدّمها رئيس فرنسا بالتفاهم مع رئيس أميركا ترامب وبموافقة الأوروبيين.

في اختصار على قادة الشعوب اللبنانية أن يكونوا جدّيين إذ أن أحداً لا يمكن أن يفرض شروطه ومواقفه ولا أن يحدّد مستقبل لبنان وصيغته ومصيره. والناس يعرفون تناقض مواقفهم وفي الوقت نفسه تشابه مواقف بعضهم، وهذا البعض فيه من 8 وفيه من 14 آذار. فمثلاً التحقيق الجنائي في مصرف لبنان الذي دعا اليه ماكرون يرفضه الرئيسان نبيه بري وسعد الحريري. والحياد يرفضه الشيعة ولا يقبله السنّة إلّا إذا كان نأياً بالنفس، ويتمسّك به قسم مهم من المسيحيين. والتحقيق الدولي في “التفجير الهيروشيماوي” يرفضه الشيعة ويتمسّك به قسم مهمٌ من المسيحيين والدروز والسنّة.