الرئيسية / home slide / هل تحققت تنبؤات الفرنسي ميشيل دي نوستراداموس؟

هل تحققت تنبؤات الفرنسي ميشيل دي نوستراداموس؟

 زيد خلدون جميل 
القدس العربي
13072020

ترجمة إنكليزية لكتاب «التنبؤات» لنوستراداموس نشرت عام 1672 وموجودة في مركز جامعة تكساس للصحة والعلوم في مدينة سان أنتونيو. ماذا يمكن أن يكون العامل المشترك في رأي الملايين من الناس، وفي مختلف أنحاء العالم بين اغتيال الرئيس الأمريكي جون كندي عام 1963 والثورة الفرنسية عام 1789 والحربين العالميتين، ونزول الإنسان على سطح القمر عام 1969، ومقتل الأميرة ديانا عام 1997، ووصول نابليون إلى سدة الحكم في فرنسا وهجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول عام 2001 وجائحة كورونا الحالية، وكل كارثة في تاريخ العالم قد يفكر بها القارئ؟
الجواب هو أنها جميعا سبق أن تنبأ بحدوثها شخص فرنسي عاش في القرن السادس عشر اسمه نوستراداموس، الذي يعتبر أشهر مُنَجّم في تاريخ البشرية. ولكن السؤال الذي يُطرح دائما هو، هل تنبأ «نوستراداموس» فعلا بكل هذا؟ أم أنه كان مجرد محتال بارع؟

من هو نوستراداموس

ولد ميشيل دي نوستراداموس عام 1503 في منطقة سَينت رمي دي بروفنس في جنوب فرنسا، لعائلة ميسورة نوعا ما. وكان طالبا مجتهدا، ودخل الجامعة، ولكن هذا لم يدم طويلا، حيث أقفلت الجامعة أبوابها بسبب تفشي وباء الطاعون في أوروبا، فامتهن الصيدلة، وتنقل من منطقة إلى أخرى في القارة الأوروبية لبيع المواد الطبية لعلاج الأمراض المستعصية، خاصة الطاعون الذي لم يكن له أي علاج آنذاك، بل إن الكثير من هذه الأدوية والأساليب كانت مضرة بالصحة بشكل خطير. وبعد سبع سنوات أصبح طالبا في جامعة مونتبليير الفرنسية لدراسة الطب، ولكنه سرعان ما فصل من الجامعة بسبب عمله السابق صيدليا، الذي كان يُعَدّ مهينا للأطباء آنذاك، وكذلك سوء تصرفه تجاه أساتذته، ولذلك عاد إلى ممارسة الصيدلة، ونجح فيها، حيث كان الطاعون يثير الهلع في أوساط المجتمع الأوروبي، وأصبح الناس يتهاتفون لشراء كل ما يمكن في خيالهم أن ينقذهم من تلك اللعنة. والظاهر أن نوستراداموس، نال شهرة لا بأس بها، بسبب ما كان يبيعه والنصائح الطبية التي كان يقدمها، على الرغم من أنها لم تكن سوى خزعبلات، ولم يلاحظ زبائنه أنه كان يعاني من مشاكل صحية مؤلمة، بدون أن يجد علاجا لها. وقام نوستراداموس عام 1550 بنشر كتاب التقويم (Almanac) الذي احتوى على توقعات بالأنواء الجوية ومواعيد المد والجزر والكسوف والخسوف، وأشياء أخرى. وكانت هذه الكتب ذات شعبية كبيرة في تلك الفترة في أوساط المزارعين وتجار الحبوب والبحارة. ولاقى كتابه نجاحا كبيرا، على الرغم من عدم استناده إلى أي أساس علمي، حيث لم يكن سوى مجموعة من التكهنات ولكنها كانت كافية لجعله شهيرا في فرنسا، ولذلك قرر إعادة كتابة ونشر الكتاب مرات عديدة، إلى درجة أنه كان أحيانا يعيد كتابته ثلاث مرات في السنة، وبلغ مجموع ما حوته هذه الكتب ستة آلاف وثلاثمئة وثمانية وثلاثين نبوءة، حيث أخذ يضيف تنبؤات في مجالات أخرى تدريجيا في هذه الكتب، وأخذ يهتم بفرع من مفهوم التنجيم، يركز على علاقة خرافية النجوم بالحياة على الأرض. ولكن شهرته الحقيقية بدأت عام 1555، عندما نشر كتابه الشهير تحت عنوان «التنبؤات»، الذي ضم ما تنبأ به من أحداث كانت ستهز العالم في المستقبل. وكان ذلك الكتاب سببا رئيسيا في زيادة شهرته في جميع أرجاء فرنسا، بشكل خاص وأوروبا بشكل عام، حتى أصبح من مشاهير الشخصيات الأوروبية في عصر النهضة. ودعاه مشاهير الشخصيات تلك الحقبة ليكون منجمهم. وبذلك أصبح طبيب زوجة ملك فرنسا هنري الثاني ومستشارها. واستمر في إضافة نبوءات جديدة كل ما نشر نسخة جديدة من كتاب «التنبؤات» وعاش حياة مرفهة حتى توفي عام 1566.

وجد الكثيرون نوستراداموس مادة دسمة لجني المال عن طريق بيع الكتب، ما أبقى أسطورته حية. وأخذت القصص عن حياته تزداد مع الوقت، فتحول إلى طبيب متخرج من جامعة مونتبلييه الفرنسية وأستاذا جامعيا في الطب، وأنه درس علوما سرية لم يعرفها سواه.

تنبؤات نوستراداموس

لم تكن تنبؤات نوستراداموس واضحة المعالم على الإطلاق، فالتفاصيل مبهمة جدا، ولم تحدد تاريخا للأحداث المتنبأ بها. وكان واضحا أنه قد تقصد جعل ما كتبه غامضا، لأنه لم يكن تنبؤا، بل كلاما عديم المعنى، كي يختلف الناس في تفسيره، فقد كان عمله في نهاية المطاف احتيالا ذا مظهر علمي، ولذلك فقد اعتمد ما سمي تنبؤاته على خيال القارئ في تفسيرها، وبالتالي فإن تفسيرها كان يعاد كلما حدث شيء مهم في العالم، ويتم اختيار نص مختلف له من قبل كل من يريد نسب التنبؤ لنوستراداموس. وكان كل تنبؤ يُكتَب على شكل شعر بسيط من أربعة أبيات. ويعتقد المؤرخون أن أغلب ما قام به كان عبارة عن إعادة صياغة تنبؤات سابقة، ذكرت في كتب مؤرخين رومان وإغريق معروفين مثل، الإغريقي بلوتارك، بل إنه أخذ كذلك نبوءات، سبق أن ظهرت في كتاب معروف نشر عام 1522 باللغة اللاتينية، وكتب أخرى مثل التوراة. ويعني كل هذا أن كتاباته، لم تكن في الحقيقة تنبؤات، فالتنبؤ يحدد التاريخ والحدث، بحيث يستطيع المرء توقع وقوع الحدث بدقة قبل حصوله، ولكن هذه الصفة كانت مفقودة في كتاباته، ولذلك يتم ربط التنبوء بالحدث بعد حدوثه دائما. والغريب في الأمر أن كل الاقتباسات الواضحة التي قام بها نوستراداموس، لم تلفت نظر المهتمين بعمله. وإذا صادف أن فسر أحدهم إحدى النبوءات بشكل معين وخاب أمله، فقد كان يستطيع أن يجد نبوءة أخرى لتعليل ذلك. وكان أحد أهم الانتقادات ضده بسبب ما ادعاه حول اعتماده على حركة النجوم بالنسبة إلى أحداث، سبق حدوثها في الماضي، وأن حركة نجوم مشابهة في المستقبل سوف تسبب أحداثا مشابهة، واتهم بأنه هاو للتنجيم من قبل كبار المنجمين حينذاك.
وتنشر الكتب باستمرار مدعية أنها تحوي ترجمة لأعماله، ولكن الخبراء أجمعوا على أن هذه الترجمة سيئة جدا دائما، لعدم إلمام مؤلفيها بلغة فرنسا في القرن السادس عشر، بل إن بعض هذه الكتب تلفق نصوصا لم يكتبها الرجل كي تناسب أحداثا مهمة في التاريخ حدثت قبل صدور هذه الكتب، ولذلك فإن نصوص التكهنات التي من المفروض أنها تنبأت بمقتل ملك فرنسا هنري الثاني، واغتيال جون كينيدي، والنزول على القمر، وهجمات الحادي عشر من سبتمبر، ظهرت بعد وقوع هذه الأحداث. ولنأخذ مثالين شهيرين ببعض التفصيل، الأول هو تنبؤه بمقتل ملك فرنسا هنري الثاني 1559، تقول القصة إن زوجة الملك الفرنسي قرأت في كتاب نوستراداموس عن مخاطر تحدق بالعائلة المالكة الفرنسية، وكان المنجم الخاص بها لوكوس إوريكوس، قد أبلغها بتنبؤ حول مقتل الملك الفرنسي، فاستدعت نوستراداموس إلى باريس عام 1556 لمعرفة رأيه حول تنبؤ منجمها، فقام بتحذيرها من أن الملك سيقتل في مبارزة، ولكن الملك لم يأبه للتحذير، وقام بمبارزة استعراضية بالرماح، وهو على متن حصان. وكانت نتيجتها أن رمح خصمه اخترق عينه وصولا إلى مخه، وتوفي الملك الفرنسي بعد عشرة أيام من الآلام المبرحة. وعلى الرغم من تأكيد المصادر لمقتل الملك الفرنسي بهذه الطريقة، فإنها تؤكد كذلك على أن التنبؤ المزعوم، لم يظهر إلا بعد خمسة وخمسين عاما بعد الحادثة الشهيرة. والثاني هو تنبؤه بحدوث هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، وهي حكاية انتشرت بشكل واسع، بعد حدوث تلك الواقعة، فإن النصين اللذين نسبا إلى نوستراداموس ظهرا بعد الحادثة ولم تكن لهما علاقة به، بل إن أحدهما كان قد نشر أصلا في مقال حول سهولة تلفيق التنبؤات.

تطور أسطورة نوستراداموس

وجد الكثيرون نوستراداموس مادة دسمة لجني المال عن طريق بيع الكتب، ما أبقى أسطورته حية. وأخذت القصص عن حياته تزداد مع الوقت، فتحول إلى طبيب متخرج من جامعة مونتبلييه الفرنسية وأستاذا جامعيا في الطب، وأنه درس علوما سرية لم يعرفها سواه. وأصبحت كل مرحلة من حياته خيالية، وحتى وفاته، حيث ادعى أحد الكتاب أن نوسترداموس، كان قد أوصى بعدم نقل رفاته بعد دفنه، إلا أن رفاته نُقِلَت أثناء الثورة الفرنسية، ويضيف هذا الكاتب أنه عندما أُخرِج جثمانه اكتُشِفَ وجود لافتة على الجثمان تحوي تاريخ ذلك اليوم مع تحديد الساعة، بالإضافة إلى لعنة ضد من اشترك في إخراج الجثمان، وقد أثبت المؤرخون بطلان هذه القصة تماما. وأصبحت شهرة نوستراداموس كبيرة، إلى درجة أن دولا في أوروبا ادعت أنه تنبأ بانتصارها في حروبها. وبدأت هذه الشهرة تزداد بعد الحرب العالمية الثانية، حيث أخذت الكتب المثيرة تنشر بكثرة لا مثيل لها مختلقة مختلف الأشياء عنه وعن تنبؤاته، وكل ما تحدث كارثة في مكان يتم نسبها إلى نوستراداموس، من أجل بيع الكتب وجني المال. وامتد ذلك إلى السينما والتلفزيون والإنترنت. وآخر ما ذكر عنه حتى الآن أنه تنبأ بجائحة كورونا الحالية.

ويبين الحجم الهائل لأسطورة نوستراداموس، أن الإنسان يتميز بميل واضح لتصديق الخرافات، حتى إذا كان متعلما، ففي عصر نوستراداموس كان عدد المتعلمين في البلدان الأوروبية 16%، وهم الطبقة التي لمع فيها اسمه.

التنجيم في عهد نوستراداموس

كان الكثيرون من علماء وكبار مثقفي أوروبا في الفترة التي عاش فيها نوستراداموس، أي القرن السادس عشر، يمتهنون احتيال التنجيم، وتقديم التنبؤات لأثرياء وملوك أوروبا، وكان هذا مصدرا مهما لكسب المال. واعتمدوا على مفهوم مفاده أن دراسة مواقع وحركات النجوم، تؤثر جذريا في الحياة على الأرض، وبذلك ادعى هــؤلاء أنهم كانوا قادرين على التنبؤ بالمستقبل في كل مجالات الحياة، إذ أخذ المنجمون يقدمون النصح حول مواعيد الحصاد والري والمد، وعلاج الأمراض، وتوقع الكوارث والمشاكل السياسية وأشياء كثيرة أخرى، وأصبحوا جزءا مهما من حياة حكام أوروبا في القرنين السادس عشر والسابع عشر، فمثلا كان لملكة بريطانيا اليزابيث الأولى المنجم الخاص بها. وكان أشهر المنجمين في العالم الألماني يوهانيس كيبلر الذي عمل لدى أباطرة الامبراطورية الرومانية المقدسة، وكانت عاصمتهم مدينة «فيينا» النمساوية. وعلى ما يبدو أن كيبلر كان يعرف جيدا أن التنجيم ليس سوى مجموعة من الخرافات، ولكنه استطاع القيام بأبحاث علمية حقيقية، جعلته أحد أشهر العلماء في التاريخ، حيث أصبحت أبحاثه في علم الفلك مهمة جدا بالنسبة للعالم البريطاني أسحق نيوتن، عندما كان يبحث في مجال الجاذبية.
ولكن كيبلر أيضا وجد في التنجيم مصدرا مهما للمال والوصول لأصحاب القرار في أوروبا. وقد أفاده ذلك عندما نجح في إنقاذ والدته من حكم الإعدام حرقا بعد إدانتها بتهمة السحر. وهناك عالم كبير آخر برز في هذا المجال، هو غاليليو، الذي كان المنجم الخاص لدى عائلة مديتشي الإيطالية في فلورنسا. وكانت لغاليليو مكانة خاصة في علمي الفلك والفيزياء، وتعتبر مساهماته من المنجزات العلمية الخالدة.
ويبين الحجم الهائل لأسطورة نوستراداموس، أن الإنسان يتميز بميل واضح لتصديق الخرافات، حتى إذا كان متعلما، ففي عصر نوستراداموس كان عدد المتعلمين في البلدان الأوروبية 16%، وهم الطبقة التي لمع فيها اسمه. أما في العصر الحديث، فإننا نجد أن شهرته أكبر من الماضي بكثير، على الرغم من المستوى العالي للتعليم وانتشاره حاليا.

٭باحث ومؤرخ من العراق