هل تتّجه البلاد نحو تصحيح مالي؟


تتدحرج المواقف السياسية تباعاً من الازمة المالية والاقتصادية العاصفة بالبلاد، كنتيجة حتمية لأشهر التعطيل والمناكفات التي أودت بالاقتصاد كما بالمالية العامة للدولة الى مستويات غير مسبوقة، مرشحة للتفاقم في ظل التخبط الفاضح في المقاربات الاقتصادية المتبعة للمعالجة واحتواء الكارثة.

لم يكد الاسبوع الاول من السنة الجارية ينقضي حتى فجر وزير المال علي حسن خليل قنبلة من العيار الثقيل بإعلانه وجود “خطة لدى وزارته لتصحيح مالي طوعي من أجل تجنب التطورات الدراماتيكية التي ستحصل إذا استمر النزف المالي على حاله خلال السنوات المقبلة”. وعندما سئل عن هذا التصحيح، رفض الكشف عن تفاصيله، لكنه أوضح انه ينطوي على اعادة هيكلة للدين العام، كاشفا انه سيكون له كلفة يجب توزيعها بعدالة بين الاطراف المعنيين”.

قامت الدنيا ولم تقعد عندما قال خليل كلامه، الذي جاء قبل شهرين من إعلانه أن الخزينة خاوية، وعلى مسافة أشهر قليلة من صدور تقرير بعثة المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي أواخر حزيران 2018، والذي تحفظت الحكومة عن نشره، وكان أوصى من جملة ما توصياته بضرورة “إجراء تصحيح مالي فوري وكبير لتحسين القدرة على الاستمرار في تحمل الديون، الأمر الذي يقتضي توافر التزام سياسي قوي ومتواصل”، كاشفا أن “وضع استراتيجية محددة للمالية العامة، بما فيها مزيج من التدابير على صعيدي الإيرادات والنفقات، تبلغ في مجملها نحو خمس نقاط مئوية من مجمل الناتج المحلي، يمثل خطوة طموحة لكنها ضرورية على المدى المتوسط لتحقيق استقرار الدين العام ووضعه على مسار تنازلي”. وفي هذا الصدد، أوصى التقرير “بزيادة معدلات ضريبة القيمة المضافة، وإلغاء الدعم على الكهرباء بالتدريج، وكبح أجور القطاع العام”.

هي أشهر قليلة مضت منذ صدور تقرير الصندوق، حتى وصلت حكومة “الى العمل” المشكّلة منذ نحو 10 اسابيع الى الاخذ بتوصيات الصندوق، والتي هي في الواقع جزء أساسي من الاصلاحات التي التزمتها أمام مؤتمر “سيدر”.

منذ كلام خليل، تعاقبت تدريجا المواقف التصعيدية المحذرة من الانهيار. فبعد تغريدة حاكم المصرف المركزي عن مخاطر حجم القطاع العام، ومؤتمر وزير الاقتصاد عن محاذير الهندسات المالية للمركزي، خرج رئيس الحكومة بتحذيرات عالية النبرة تضع ازمة لبنان على مسار النموذج اليوناني، فيما واكبه وزير الخارجية بدعوة الى خفض الرواتب، ما لبث في سياق توضيحي لها ان فجر قنبلة من عيار اكبر، لم تحظ بالاهتمام الاعلامي الكافي، اذ كشف ان الاجراءات المطلوبة لا تقف عند خفض الرواتب بل تشمل 5 محاور تتمثل بـ”حجم الدين الذي يشكل جزءاً يسيراً من الموضوع، وخدمة الدين، والتهرب الضريبي والجمركي والكهرباء والضرائب التي يمكن أن تستوفى من أصحاب الجيوب الكبيرة”.

كل هذه التهديدات تقود الى سؤال طبيعي وبديهي لا يلغيه الا بعض الشفافية في مصارحة الناس بما تخطط له الحكومة. والسؤال هو: هل تتجه البلاد نحو اعتماد التصحيح المالي؟ وما هي آلياته أو الخيارات المطروحة له، هل بخفض قيمة العملة الوطنية او بإعادة جدولة الدين العام او اعادة هيكلته؟

حتى الآن لم يتضح بعد اذا كان ثمة توجه حكومي في هذا الصدد، علما ان هناك إجماعا سياسيا على عدم المسّ بالاستقرار النقدي، خصوصا ان فوائد اي تصحيح في سعر الصرف قد لا يعود بالمنفعة المرتقبة في ظل مستوى الدولرة المرتفع من جهة، فيما حركة التصدير للانتاج اللبناني في حال تراجع. كما ان اي مسّ بسعر الصرف سيؤدي حكما الى لجوء قسري الى تحسين مستوى الأجور.

أما إعادة الجدولة، فليس واضحا ما اذا كانت ستتم من خلال خفض معدلات الفوائد أو إطالة أجل الاستحقاقات. علما ان وزير المال كشف امس أن لبنان في صدد التحضير لإصدار سندات دولية بقيمة 2.5 مليارين إلى ثلاثة مليارات دولار في 20 أيار المقبل لتمويل حاجات الدولة.

وأكد ان “الإصدار عادي وفق المخطط ووفق استراتيجية الدين العام المحددة بيننا وبين المصرف المركزي، وانطلاقا من الحاجات الفعلية للدولة”.

يبقى خيار اعادة الهيكلة. وفي هذا المجال، لا تتضح المواقف الرسمية حيال اي توجه في هذا الشأن، باستثناء ما كشفه باسيل عن الدين، والذي يستدعي توضيحا لئلا يفسر على غير قصده، علما ان مواقف باسيل كانت أثارت امتعاضا في بعبدا نظرا الى ما تحتمله من تأويل في ظل ظروف استثنائية يسيطر فيها القلق على الاسواق والمتعاملين.

مصادر سياسية مواكبة طمأنت الى أن هذه الخيارات وإن تكن قد شهدت نقاشا جديا، الا انها لا تزال بعيدة. وما البحث الجاري في خيار اعادة النظر في بنية رواتب القطاع العام الا لتلافي الوصول الى خيارات كهذه. وكشفت ان البحث جار حاليا في امكان اقرار خيار خفض موقت لشطور الرواتب العليا في القطاع العام، لمدة محددة، يكون بمثابة اقتراض الدولة من الموظفين، لقاء استعادة المبالغ المقترضة فور تحسن مالية الدولة.

ويكون مثل هذا الخيار مقرونا بخيار الاقتراض من المصارف بفوائد مخفضة. وتكشف المصادر أن رئيس الحكومة يعوّل على قروض ميسرة جدا ستسهم في طمأنة الاسواق وإزالة مشاعر القلق والخوف السائدة حيال الخيارات الموجعة المطروحة.

sabine.oueiss@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*