هل تتدخل إسرائيل عسكرياً في العراق واليمن؟

يتساءل عدد من الباحثين في مركز أبحاث أميركي جدّي وواسع الإطلاع إذا كانت إسرائيل ستقرر توسيع حربها مع إيران، بحيث تشمل العراق الذي لها فيه كلمة أساسية جداً ونفوذ واسع من خلال الغالبية الشيعية لشعبه، واليمن الذي صارت جزءاً مهماً من الحرب الأهلية الدائرة فيه بين أنصارها الحوثيين و”الشرعية” المدعومة عسكرياً وعلى نحو مباشر من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ودول أخرى.

هل من جواب حاسم عن هذا التساؤل؟

يعرف هؤلاء ومعهم العالم كله أن إسرائيل وإيران الإسلامية عدوّان إيديولوجياً واستراتيجياً، رغم أنهما قصرتا معاركهما على الأراضي الفلسطينية وفي دول مشرقية مثل لبنان وسوريا. لكن الولايات المتحدة حليفة الأولى بدأت منذ تولّي ترامب رئاستها تصعّد الضغط على الثانية التي تعتبرها أيضاً عدوّة السعودية والامارات. ويوفّر هذان العاملان فرصة لإسرائيل كي تتصرّف ضد إيران خارج المسرح المشرقي المعروف، وتالياً كي تقترب أكثر من الدول الأساسية العربية في الخليج. والإعلان منذ أشهر عن تزويد طهران الميليشيات المتحالفة معها في العراق صواريخ باليستية يوحي أن الأخير يمكن أن يصبح جبهة جديدة في معركة تطويق إيران وكسر إرادتها وضرب مشروعها. وهذا النوع من التفكير برز بعد وقت غير طويل من تهديد رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو بإرسال سفن حربية الى باب المندب على البحر الأحمر لضمان بقاء مضيقه حراً والحؤول دون تعرّضه لمضايقات حربية ايرانية. وتاريخ إسرائيل طويل في ملاحقة الأعداء البعيدين من حدودها. لكن أي عمل تنفّذه في العراق سيختبر قوّة العلاقة بينه وبين أميركا، وربما يكون هدية مجانية لإيران التي ستوظّفه لتأجيج العداء لأميركا وإسرائيل في المنطقة. علماً أن حاجة الأخيرة الى توجيه ضربات مباشرة علنية قليلة جداً رغم قدرتها على توظيفها لتأسيس علاقة جدّية مع السعودية أو بالأحرى لتعزيزها، باعتبار أنها قائمة وإن في صورة غير رسمية. وفي هذا المجال لا يشكّ أحد في قدرتها أيضاً على اصابة أهدافها في العراق أو اليمن، لكن مضاعفات ذلك وتشعباته تعطي إيران فرصة للتفكير ملياً في هذا الموضوع قبل اتخاذ قرار حاسم ونهائي في شأنه.

كيف يقوّم الباحثون الأميركيون أنفسهم ضرب إسرائيل العراق أو أهداف فيه؟ هي معروفة بغزواتها وضرباتها القريبة والبعيدة تنفيذاً لأهدافها، يجيب هؤلاء. (أوغندا عام 1976، تدمير مفاعل أوزيراك النووي العراقي عام 1981، ضرب قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في تونس عام 1985، وضرب السودان ثلاث مرات على الأقل منذ 2009). الا أن عمليات جديدة في العراق واليمن تنطوي على “مخاطرة” ملحوظة وخصوصاً في الأول. فإيران تكوّن منذ مدة قوّة صاروخية باليستية من الميليشيات العراقية الحليفة لها، مكرّرة بذلك تجربتها اللبنانية الناجحة جداً وكانت تأسيس “حزب الله”. ودوافعها لعمل كهذا هي توفير منبر أو مسرح آخر تستطيع منه مهاجمة إسرائيل إذا هاجمتها هي أو الولايات المتحدة. وهي أيضاً تقوية حلفائها داخل العراق وإبقائهم خارج سيطرة الحكومة. وهي أخيراً عدم رغبتها في وجود عدو عراقي قوي ومحصّن جداً مثل “حزب الله” في لبنان وسوريا وخارجهما. طبعاً يعتقد الباحثون أنفسهم أن إسرائيل ستواجه على هذا الصعيد حواجز وعقبات ديبلوماسية وسياسية وعسكرية. إذ عليها أن تحدّ من الضغط الذي تريد ممارسته على واشنطن في علاقتها مع بغداد. ذلك أن ضرباتها قد توحّد أعداء إيران وأنصارها في العراق وتعبئهم ضدها كما ضدّ أميركا، ولا سيما إذ فشلت الأخيرة في إصدار رد فعل ذي معنى على اعتداء إسرائيل على السيادة العراقية التي يُفترض أن تكون هي الضامنة لها. هذا فضلاً عن تأثير الضربة – الإعتداء على الحكومة الجديدة في بغداد وعلى الأطراف المؤيّدين لها فيها الذين قد يتحولون عنها الى طهران، مثل جمعيات المجتمع المدني والشركات وما الى ذلك! علماً أن ضربات إسرائيل المحدودة لن تضمن أن إيران لن تعود الى تزويد حلفائها ما فقدوه. ويعني ذلك ضرورة تكرار الضربات الأمر الذي يزيد “المخاطر” على إسرائيل وواشنطن معاً. وفي هذا المجال يعتقد الباحثون أيضاً أن ضربات كهذه ستقوّي الوطنيين غير المذهبيين، وذلك في مصلحة العراق وإميركا وضد مصلحة إيران. لكن هذا اعتقاد خاطئ لأن وجود هؤلاء ضعيف جداً بل نادر في رأي باحثين آخرين.

ماذا يحقّق عداء إسرائيل والسعودية لإيران لعلاقتهما؟ قد يؤسّس علاقة وثيقة بينهما أو يعزّزها إذا كانت قائمة، وقد يدفعهما الى التعاون في اليمن حيث تحارب الثانية الحوثيين المدعومين من أعداء الأولى وفي مقدمهم إيران. لكن حاجة إسرائيل الى التدخل العسكري في اليمن ليست ماسّة لأن خطر إيران على باب المندب الذي تهدّد حرية الملاحة فيه تتكفل به حليفتها أميركا، علماً أنها تستطيع مساعدة السعودية هناك بالتشارك المعلوماتي ونقل التكنولوجيا. كما تستطيع مساعدتها في الكونغرس الأميركي حيث تتعرض لضغوطات شديدة.

في اختصار يرى الباحثون أنفسهم أن تزايد نفوذ طهران وضغط واشنطن والرياض وأبو ظبي عليها يدفع إسرائيل الى الإضطلاع بدور إقليمي أكثر نشاطاً. ومن شأن ذلك أن يساعد مستقبلاً إذا قرّرت أميركا شنّ حرب واسعة ومباشرة على إيران.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*