هل باتت جامعات لبنان مقابر للعلوم الإنسانية؟

يواجه مفهوم الجامعة منذ سنوات، بل منذ عقدين إلى ثلاثة، تحدّياً وجودياً خطيراً ومتفاقماً، من شأنه أن يقضي قضاءً تاماً على معناها الأساسي، وعلى دورها التاريخي في الاستشراف النظري، النقدي، العقلي، الفكري، الفلسفي، الأدبي، الفني، وفي طرح الأسئلة على ذاتها، ومناقشتها، وفي مواكبة الإبداع، واحتضان العلوم الإنسانية.

أسباب هذا التحدّي متشابكة ومعقّدة ومتنوّعة، ليس أقلّها أن الجامعة، كلّ جامعة، وخصوصاً منها الجامعات “المحترمة”، باتت خاضعة لمنطق السوق والسلعة، العرض والطلب، الربح والخسارة، وأنها في ضوء ذلك، تجد نفسها متورّطة في اللهاث وراء هذا المنطق العبثي، المهزوم أصلاً، الأمر الذي يجعلها غير معنية، بالقدْر الكافي، بأهمّ ما يمكن أن تتمايز به: جوهرها الإنساني.

أخاطب الجامعات التاريخية في لبنان، لا الجامعات النابتة كالفطر، جامعات البزنس، جامعات الطوائف والمذاهب، جامعات تبييض الأموال وغسلها، جامعات الاستعراض والفولكلور والاحتفالات وتوزيع شهادات الدكتوراه الفخرية، جامعات الشهادات الرخيصة – كي لا أقول المزوّرة.

أخاطب هذه الجامعات، لأطرح عليها السؤال المتعدّد الآتي، راجياً ومتمنياً – والله العظيم – أن أكون مخطئاً في ما أسأل: أيٌّ منها تتجرّأ أن تقول إنها معنيةٌ بالأسئلة التي تقضّ الحياة الإنسانية والشرط البشري برمّته، في هذه الأزمنة البالغة التحوّل؟ وأيٌ منها “أهلٌ” لمواكبة أعمال الخلق (التفلسف، الشعر، الرواية، اتجاهات الكتابة الما بعد شعرية وروائية)؟ وأيٌّ منها تمارس النقد الطليعي الرؤيوي؟ وأيٌّ منها تملك الجسم التعليمي التخصّصي الذي يؤهلها للاضطلاع بمثل هذه المهمات الشاقة والصعبة؟ بل أيٌّ منها – في غمرة ارفضاض الطلاب عن تطلّب العلوم الإنسانية – تكرّس جهودها لخلق مراكز أبحاث، وتهيئة الأساتذة، وتفريغهم، لدرس الأدب اللبناني خلال السبعين سنةً الماضية؟

أركع مصلّياً، راجياً أن أكون مخطئاً:

أريد جامعةً واحدة. أريد جامعةً واحدة فقط في لبنان تنذر نفسها لتأريخ حركة الأدب اللبناني في اتجاهاته الحديثة والمعاصرة، ولوضع برنامج عمل لدراسة هذا الأدب، وتعيين علاماته الفارقة، بما يحول دون اندثاره واندثار مؤلّفيه، هباءً بهباء.

إذا لم تمارس الجامعة هذا الدور، فمَن يمارسه؟ إذا لم تتفلسف الجامعة، فمَن يتفلسف؟ إذا لم تقترح الجامعة سبلاً طليعيةً ورائدة لمساءلة الأعمال الإبداعية الجديدة، واستبصار مدفوناتها ورؤاها وأساليبها واحتمالاتها، فمَن يقترح؟ وإذا لم تهيّئ الجامعة أساتذتها وطلابها للتفاعل مع هذه الأعمال، فأيّ مستقبلٍ للآداب والفلسفات والأفكار في لبنان؟

… وفي غياب الدور الاستشرافي الرؤيوي النقدي للجامعة، وأمام ندرة الأساتذة النقّاد، والشعراء والروائيين النقّاد، مَن يستشرف ومَن ينقد؟

يعزّ عليَّ أن أرى الآداب والفلسفات والأفكار والفنون يتيمةً في لبنان. أما إذا أطلق أحد المستشرفين نفير الإنذار محذّراً من انهيار دور الأستذة والتفلسف والتفكّر والتأدب في الجامعة، فإن القيامة الاستجوابية (والقضائية؟!) تقوم عليه ولا تقعد.

هل بات لبنان، يا ولدي، مقبرةً للتفلسف والأدب وللعلوم الإنسانية؟!

akl.awit@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*