الرئيسية / home slide / هل بإمكان المثقف العراقي إشاعة التفاؤل؟

هل بإمكان المثقف العراقي إشاعة التفاؤل؟

 هيفاء زنكنة
القدس العربي
29122020

ارتدت الشابة العراقية شيماء العباسي (23 عاماً) معطف بابا نويل الأحمر، ثم تجولت، بدراجتها، وسط أنقاض وحطام المدينة القديمة، بالموصل، شمال العراق، وهي توزع الهدايا لأطفال المدينة المنكوبة، بمناسبة عيد الميلاد.
وانطلقت يوم الأحد الماضي، بطولة أندية العراق للسيدات بالمصارعة الحرة في محافظة الديوانية، في منطقة الفرات الاوسط . استمرت البطولة مدة ثلاثة ايام بمشاركة أكثر من 15 ناديا، من اغلب المحافظات وبجميع الفئات العمرية. في اليوم نفسه، تم نصب شجرة عيد ميلاد تضيئها المصابيح الملونة و 2021 ، استعدادا للاحتفاء بالعام الجديد ، في ساحة التحرير، وسط بغداد. وهي الساحة التي شهدت ، منذ الاحتلال عام 2003، مظاهرات واعتصامات توجت بانتفاضة تشرين الأول / اكتوبر 2019 ، بشهدائها وجرحاها ومعتقليها وفنونها وأغانيها وتغيراتها السياسية والاجتماعية. قبل ذلك، بادر مواطنون في مدينة السماوة، جنوب غرب بغداد، إلى تغليف أعمدة الكهرباء بمادة النايلون لحماية المارة وخصوصا الأطفال من الصعقات في فترة هطول الامطار وبعد أن يئسوا من قيام المسؤولين باتخاذ اية خطوة لوقاية الأهالي من الموت. تشكل هذه المبادرات ، واستعادة ذكرى عام الانتفاضة ، نفحة أمل، يستدعيها العد التنازلي لأيام العام الحالي المغرق بالعتمة.

 كيف التعامل مع طبقة سياسية تتغذى على ريع النفط بمليارات الدولارات وتنتعش على الفساد، وتسكت من يعارضها أو يخالفها، بإرهاب الميليشيات وقدسية المرجعيات الدينية؟

فمن الحقائق التي نكاد نتقبلها، بلا نقاش، أن إطلالة كل عام جديد تحمل في طياتها الأمل، مهما كان الواقع سوداويا مريرا. واذا ما تلاحمت دقائق الايام المقبلة بما يقال حول دور المثقف في اشاعة الامل او على الاقل عدم إشاعة اليأس والاحباط، لئلا يموت الناس كمدا ، تصبح للكتابة ، نهاية العام وبداية عام آخر، نكهة مختلفة .هذه بديهية عامة، تنطبق على كل الاعوام، تقريبا، فكيف اذا كان العام الذي نتحدث عن مغادرته هو 2020 ، بكل ما جلبه من وباء وازمات اقتصادية وانهيار المناخ، على مستوى العالم، وتأثير ذلك كله على العلاقات السياسية والاجتماعية، في بلداننا ؟ واذا كان العام الذي سنستقبله متسربلا بما كشفه الوباء عن أوجه اللامساواة والظلم ، والاستغلال ، والفساد المنهجي، والتقسيم العنصري الواضح بين إنسان العالم الاول وانسان العالم الثاني، كما يؤكده فشل قضايا المساءلة القانونية الدولية، متمثلا بالنسبة الى العراق بقرار وفجوة العلاقات بين الدول العسكرية الكبرى والدول المحتلة التي يتنازع أهلها على رمال الهوية والوطنية المتحركة؟
وهل بإمكان المثقف ، فعلا ، تجاوز هذا الواقع بما يطرحه من تحديات ليركز على زرع الأمل ( بما يحمله من تلفيق وتضخيم أحيانا) متجاوزا دوره وما يجب عليه القيام به ، كما يلخصه الكاتب فاسلاف هافيل، الذي عاش تجربة تقسيم بلده الى بلدين وتسنم منصبين في ظروف استثنائية نادرة حيث شغل منصب آخر رئيس لبلده تشيكوسلوفاكيا ثم أصبح أول رئيس لجمهورية التشيك بعد التقسيم . «يجب على المثقف أن يزعج باستمرار ، يجب أن يشهد على بؤس العالم ، يجب أن يكون استفزازيًا من خلال كونه مستقلاً ، يجب أن يتمرد على جميع الضغوط والتلاعبات الخفية والمفتوحة، يجب أن يكون المشكك الرئيسي في الأنظمة … ولهذا السبب، لا يمكن للمثقف أن يتناسب مع أي دور قد يتم تكليفه به … ولا ينتمي بشكل أساسي إلى أي مكان: فهو يبرز على أنه مصدر إزعاج أينما كان». يطرح تعريف فاسلاف الكثير من الاسئلة من بينها التناقض أو الشرخ ما بين أفكار الكاتب وممارساته. وهو شرخ عاشه فاسلاف نفسه ، كما يعيشه، في بلادنا العربية، الكثيرون من كتابنا ومثقفينا.
عراقيا، يمتد الشرخ، ليطفو ما هو مغمور فيه، على سطح ضحل لايتحمل ثقل الأسئلة الأساسية. ما هو برنامجنا؟ وكيف نتحمل كأفراد (فنحن أفراد.. قبل أن نكون أمما) إذا أردنا البقاء على قيد الحياة؟ ما هي أوجه التكيف التي يجب أن نتوصل اليها مع صعود الأنظمة الاستبدادية والصراعات الأهلية، ومع استمرار الاستعمار القديم بالهيمنة على منطقتنا بأوجه جديدة ؟ هل لدينا، لمواجهة القتلة والحكام الفاسدين والميليشيات وقوى الاحتلالين العسكري والناعم، سيناريو ثان اذا ما فشل السيناريو ألاول؟ سيناريو مواصلة الحياة بعد رحيل الشهداء، والنضال السلمي بعد المقاومة المسلحة، وكيفية تحقيق التحولات المجتمعية التقدمية، وبناء التضامن مع العالم الخارجي، ونحن نعلم جيدا أن نصفه، على الأقل، يرى أن الخنوع والاستسلام هو السلام وان صناعة الموت دفاع عن الامن القومي؟ كيف نتعامل مع المجتمع الدولي الذي أقنع الناس بأن القانون الدولي هو بديل الموقف الأخلاقي بينما يطبق درجات مختلفة من القانون / القيم الاخلاقية حسب قوة الدول العسكرية، ومثالها اعلان المحكمة الجنائية الدولية أنها لن تتخذ أي إجراء ضد المملكة المتحدة رغم عثورها على أدلّة على تورّط قوات من الجيش البريطاني بارتكاب جرائم حرب في العراق؟ كيف التعامل مع دول يمارس رؤساؤها الإرهاب «قانونيا» ، ويصنفون « الارهاب» حسب مصالحهم، كما فعل الرئيس الأمريكي ترامب اخيرا حين أصدر عفواً عن أربعة مرتزقة من شركة «بلاك ووتر» للخدمات الأمنية الخاصة كانوا يقضون عقوبات بالسجن لقتلهم 14 مدنيا عراقيا، بينهم طفلان، في بغداد؟
محليا ، كيف التعامل مع طبقة سياسية تتغذى على ريع النفط بمليارات الدولارات وتنتعش على الفساد، وتسكت من يعارضها أو يخالفها، ولو كان من بين صفوفها، بإرهاب الميليشيات وقدسية المرجعيات الدينية؟ مثال ذلك التهديد الذي أطلقه أبو علي العسكري، المسؤول الأمني لميليشيا « كتائب حزب الله» في تغريدة له يوم السبت الماضي ، ضد رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، قائلا بأن « الوقت مناسب جداً لقطع أذنيه».
هل هذه لحظة صالحة لبعض التفاؤل – كيف تبدو وكيف يمكن المضي قدمًا؟ ليست لدي اجابة جاهزة . بل اقتبس من الفنان الفلسطيني الراحل ناجي العلي، الذي دفع حياته ثمنا لما يؤمن به، قوله إن دور المثقف هو شرح الحال وليس توفير الحل. مما يعني ان الحل بيد الشعوب. ماذا عن التفاؤل ؟ « التفاؤل هو استراتيجية لبناء مستقبل أفضل. لأنه ما لم تعتقد أن المستقبل يمكن أن يكون أفضل ، فمن غير المرجح أن تتقدم وتتحمل مسؤولية تحقيق ذلك. إذا افترضت أنه لا أمل ، فأنت تضمن أنه لن يكون هناك أمل. إذا افترضت أن هناك غريزة للحرية ، فهناك فرص لتغيير الأشياء ، فهناك فرصة قد تساهم في صنع عالم أفضل. الخيار لك» كما يذكر المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي.

كاتبة من العراق