هل “انكشفت” إيران في العراق؟ وهل يطير عبد المهدي؟

في التاسع عشر من شهر تشرين الأول الجاري تحل ذكرى أربعين الحسين عليه السلام. وفي الخامس والعشرين منه (إذا لم يتغيّر شيء)، أي بعد خمسة أيام من انتهائها، تعود الاحتجاجات الشعبية الحاشدة والمصمِّمة على المواجهة وربما على التغيير الى العراق. هذا التاريخ تمّ الاتفاق عليه بين القادة الميدانيين للتظاهرات إذ تكون الجماهير الشيعية العراقية عادت الى أعمالها، وصار في إمكان المعترضين منها على الدولة ورجالاتها والطبقة السياسية وفسادها العودة الى الشارع لمتابعة الاحتجاج بل للحصول بواسطته على نتائج عملية. وتكون الجماهير الشيعية غير العراقية التي يشكّل الايرانيون غالبيتها قد عادت بدورها الى بلادها. ويعني ذلك أن العراق سيكون مرة جديدة أمام اختبار صعب وامتحان عسير. فهل ستسكت سلطته عن استعمال “الحشد” وأبرز عناصره “عصائب أهل الحق” و”بدر” العنف المفرط مرة ثانية مع المتظاهرين والمحتجين؟ وهل سيكتفي الجيش والشرطة بمعظمهما في عدم الانحياز وتالياً عدم التدخل، تاركين “القامعين” يأخذون حريتهم في القتل وممارسة العنف، وإن كانوا جزءاً “ملصقاً” وملحقاً بالجيش والقوى الأمنية؟ وهل سيكرّر رئيس الحكومة عادل عبد المهدي أوامره بقمع التظاهرات بشدّة رغم امتناع القوات التي يأمرها هو كما يُفترض عن تنفيذها، واعتماده على “قوات” أخرى صارت “شرعية” بحكم الأمر الواقع لتنفيذها؟ وهل سيكون المحتجون غير استفزازيين وغير منضبطين كما يحصل عادة في التظاهرات الشعبية في العالم الثالث، فيعطون الحجّة للسلطة وأدواتها القامعة لتفريقها بكل وسائل العنف المتوافرة؟ أم هل يجرّهم هؤلاء الى الاستفزاز لكي يلقوا هذا المصير؟ ماذا سيفعل الزعماء الكبار الذين لهم حيثية شعبية حيال التظاهرات التي ستبدأ في 25 الشهر الجاري، وخصوصاً الذين منهم استهدفهم القامعون؟ فهل سيتمسّك السيد مقتدى الصدر بمواقفه المعارضة للفساد ويشارك في التظاهرات كما هدّد في المرة السابقة، ثم يصعّد بالمطالبة باستقالة عادل عبد المهدي وحكومته أم يكتفي بالدفاع عن نفسه عبر تهديد الجهات القامعة بالتصدّي لها وبالسلاح اذا حاولت استهدافه؟ وماذا يفعل السيد عمار الحكيم رئيس “تيار الحكمة” المعارض رسمياً في حال استُهدفت مقراته كما في المرة الأخيرة؟ هل يتركها تُضرب وتُحرق أم يمتنع عن التصدّي معتبراً أن كلفته الدموية مؤذية على أكثر من صعيد؟ وفي ختام هذه الأسئلة لا بد من السؤال عن الموقف الذي ستتخذه المرجعية الدينية العليا في النجف في حال تكرّرت التجربة الأخيرة الدامية، وتحديداً من السؤال عن الذي سيفعله في حال تجاهلت السلطة بكل أجنحتها السياسية والحزبية والعسكرية والميليشياوية والأمنية، ما نُقل رسمياً عن المرجع الأعلى آية الله السيستاني وأهمه: “الدولة مسؤولة عندما تقوم عناصر خارجة على القانون وتحت أنظار قوى الأمن باستهداف المتظاهرين. ومسؤولة عندما لا تحمي عناصرها الأمنية المواطنين والمؤسسات. ومسؤولة عن الدماء الغزيرة التي أُريقت في التظاهرات الماضية. المرجعية الدينية العليا لا مصلحة لها مع أي طرف في السلطة ولا تنحاز إلّا الى الشعب وسيبقى صوتها مع أصوات المظلومين والمحرومين من أبناء هذا الشعب بلا تفرقة”.

في أي حال تفيد معلومات العراقيين أنفسهم المتابعين بدقّة أوضاع بلادهم وتطوراتها، أن إيران منزعجة جداً ولا تعرف كيف تنهي هذا الموضوع الخطير. وهي تفكّر في تقديم اقتراح الى السلطة ممثلة برئيس الحكومة عبد المهدي يقضي بدعوته أطراف الطيف العراقي كلهم وليس الشيعة فحسب، وخصوصاً الذين بدا أنهم كانوا الأكثر اشتراكاً في الاحتجاجات الأخيرة، الى اجتماع برئاسته للبحث المعمّق في الحلول لكل المشكلات التي أخرجت العراقيين عن هدوئهم، ودفعتهم الى الذهاب الى الأخير في معارضتهم طلباً للتصحيح أو للتغيير اذا لم يتحقق. ويبدو أن هناك شَبَهاً بين الاقتراح المذكور وبين “اللقاء” الذي عقده الرئيس اللبناني ميشال عون في قصر بعبدا قبل مدة قصيرة. ويرى كثيرون في بغداد وبيروت أن عراقيين كثيرين يعتبرون تجربة لبنان ناجحة منذ الطائف حتى اليوم، ولذلك يكررونها في بلادهم. ولم يقتنعوا رغم فشلها في لبنان أنها ليست أنموذجاً يُقتدى به. في أي حال يبدو أبو هاشم أي رئيس الحكومة عبد المهدي في موقف صعب جداً. فهو مسؤول ومحاصر في الوقت نفسه. وسبق أن “طار” من كان في موقعه في السابق جرّاء تطورات مماثلة في السياسة والأمن والفساد الذي هو بعيد منه. فهل “يطير”؟ وهل من مصلحة إيران أن “يطير”؟ المعلومات المتوافرة لا تستبعد أن يؤدي استمرار الاحتجاجات مع غزارة في الدم المراق الى تنحّيه أذ لا يعود ممكناً بقاؤه، رغم أن طهران تعتبر مواقفه العميقة معها. علماً أن ذلك لن يدفعها الى التراجع. بل ستستكمل وان انكشفت تماماً للعراقيين وفي مقدمهم الشيعة الذين كانوا دائماً عصبها القوي في العراق جرّاء مساعدتها لهم سنوات وسنوات أيام حكم الراحل صدام حسين. ويعني ذلك رفض محاكمة المسؤولين عن سفك دم التظاهرات الأخيرة ومعظمهم من “الحشد” ودم التظاهرات المرتقبة إذا أُريقت. علماً أن المطالبة بها ستزداد وتكبر.

في النهاية يربط الشيعة العراقيون وغيرهم ارتفاع شعورهم بالظلم في ذكرى الحسين ومن معه الذين أدى الى استشهادهم في كربلاء قبل قرون وبأربعينيته يوم السبت المقبل، ويدعون السلطة في بغداد والنظام الاسلامي في ايران الى الهدوء والتعقّل.

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*