هل المواجهة الأميركية – الإيرانية تستثني لبنان


روزانا بومنصف
النهار
17102017

أبرز ما تم التوقف عنده على اثر الاستراتيجية التي اعلنها الرئيس الاميركي دونالد ترامب حيال ايران الاعتراض على عدم مصادقته على الاتفاق النووي الذي اعلن كل من وزير خارجيته ريكس تيلرسون ومندوبته في مجلس الامن نيكي هايلي انه لا يريد الغاءه، وان الدول الاوروبية التي عارضته في هذا الموقف من الاتفاق او لم تتفق معه في ذلك لم تناقش او تعترض على الجزء المهم الذي يتناول نشاطات ايران في المنطقة. ففي حين ان الاتفاق النووي هو الذي اخذ الحيز الاكبر من الاهتمام، الا ان الدول الاوروبية تحدثت في الاتصالات التي اجراها زعماؤها في ما بينهم عن ان نشاطات ايران تزعزع الاستقرار في الشرق الاوسط. هذا الموقف شاركته بقوة الدول الخليجية ومصر ايضا، علما ان المسؤولية الكبيرة في رأي مطلعين كثر تقع على الاميركيين إن في إبعاد مناقشة الاتفاق النووي من اجل التوقيع عليه عن اي ملف آخر وفصله عن التدخلات الايرانية في المنطقة (وهذا كان موضوع قلق كبير وقتها خشية ان تكون باعت الولايات المتحدة النفوذ الكبير او هامش الحرية الكبير في المنطقة لايران في مقابل الاتفاق)، او في مساهمة الادارات الاميركية المتعاقبة في اعتماد سياسة في العراق ولاحقا في سوريا وحتى في لبنان اتاحت او ساعدت ايران في توسيع نفوذها في اتجاه هذه الدول. السؤال التالي يتصل بكيفية مواجهة الادارة الاميركية ايران في المنطقة وما هي ادواتها واين هي الساحات المرشحة لذلك، علما ان الساحات مترابطة الى حد كبير من حيث ان الضغط في احداها ربما ينعكس في ساحة اخرى. وهل ان عدم اعتراض الدول الاوروبية على هذا الشق او الجانب من كلام ترامب يجعلها في موقع واحد معه، ام ان موقفها هو لعدم اثارة استياء واشنطن او غضبها وعدم اعطاء ايران شيكا على بياض للاستمرار في القيام بما تقوم به في المنطقة، اذ ان سياسة موحدة يمكن ان تكون ضاغطة على ايران على عكس الفرصة التي نالتها في توظيف التناقض او الاختلاف في المواقف بين الولايات المتحدة والدول الاوروبية. وبالنسبة الى لبنان فقد لفت في هذا الاطار موقفان لكل من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وآخر لرئيس الحكومة سعد الحريري فيما كان في الفاتيكان، طمأنا فيه غداة الاستراتيجية التي اعلنها ترامب الى الوضع في لبنان. عون قال ان هناك مصلحة لكل دول العالم بالا يحصل اي انفجار في لبنان، فيما اعرب الحريري عن امله في خضم المواجهة بين ايران والولايات المتحدة في ان نتفادى اي تداعيات سلبية على بلدنا. وهناك طبعا الحملات الانتخابية التي بدأها زعماء الاحزاب والتي توحي بان هؤلاء يكادون يملكون اطمئنانا فائضا الى ان لا شيء محتملا يمكن ان يعكر صفو المسار الانتخابي حتى ايار المقبل ايا كانت العواصف، اقليمية ام اقليمية دولية، ما يسمح لهؤلاء بخوض معارك كلامية حادة في ظل اطمئنانهم الى ان هناك مظلة موجودة للاستقرار.

وعلى رغم ان هذا الواقع المحيّد للبنان الى حد كبير يسري منذ اندلاع الانتفاضة السورية ضد نظام بشار الاسد في 2011 على نحو لم يكن متوقعا، فان سياسيين كثرا يرسمون علامات استفهام كبيرة ازاء القدرة على حماية لبنان خصوصا اذا اشتد الكباش الاميركي – الايراني، فيما لبنان بالكاد يعبر بين الكباش السعودي – الايراني. ومع ان هناك مصلحة مشتركة لكل القوى في التسوية الراهنة ايا تكن طبيعتها وتفاصيلها، فان بروز تناقضات يمكن ان ينسفها كما حصل بعد تسوية الدوحة مثلا من دون الاخذ في الاعتبار تعهدات وما شابه ذلك. كما ان هناك ما وصل الى لبنان على نحو مبكر من الكباش الايراني – الاميركي يتمثل في تجديد قانون العقوبات الاميركي ضد “حزب الله” الذي يقول الاميركيون انه لا يستهدف لبنان بل الحزب وحده. ولكن بما ان لبنان يشكل عنصرا يدخل في هذا الكباش من هذه الزاوية على الاقل، علما ان هناك تجاذبا يطاول مختلف مستويات الواقع السياسي والعسكري، فان علامات الاستفهام مشروعة لجهة امكان اللعب من ضمن الهامش نفسه في عدم المسّ باستقرار لبنان. والكثير يتوقف على مدى اداء المسؤولين في الداخل على انهم لاعبون سياسيون فعلا لجهة الحذر في الانجرار الى مواقف اقليمية او استفزاز ردود من خلال محاولة الدفع بأجندة محور اقليمي في لبنان على حساب الآخر، اذ ان الواقع الداخلي يشهد شططا احيانا على غرار اللقاء الذي عقده وزير الخارجية جبران باسيل مع نظيره السوري في نيويورك، او الحملات المتواصلة للامين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله على المملكة السعودية التي وان كانت لا تثير ردود فعل كبيرة الا انها تترك تفاعلات يخشى كثر ان تتطور ضد الاعتدال لمصلحة التطرف بناء على الدفع الاستفزازي الذي يحصل على هذا الصعيد.

ومعلوم ان لبنان هو حلقة ضعيفة جدا في ظل وجود جيوش اقليمية ودولية في سوريا المجاورة والتي غدت ساحة معارك حتى اشعار آخر وتتواجد فيها ايران وتركيا وروسيا والولايات المتحدة واسرائيل كلاعبين كبار. ويعتقد بعض هؤلاء السياسيين ان لبنان تبعاً لذلك وفي ضوء كباش مستمر ويتوقع ان يشتد، سيتأثر ولا يمكن ان يكون بمنأى عن ان تلفحه بعض العواصف، لكن المهم الا تشكل هذه او تكون بمثابة تهلكة له بما يدمر البلد. فالاستقرار ليس امرا مسلّما به بل يتم العمل عليه باستمرار يوما بيوم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*