هل القادة الإسرائيليون جادّون في تنفيذ تهديداتهم المتكرّرة تجاه لبنان والحزب؟

كان لافتاً أنه منذ نحو ثلاثة أشهر لجأ القادة الإسرائيليون، سياسيون وأمنيون، إلى تكثيف منسوب كلامهم وتصعيد لهجتهم التهديدية حيال لبنان و”حزب الله” بشكل غبر مسبوق، على نحو سجّلت معه الجهات المعنية في شأن الكيان الصهيوني في “حزب الله” ما لا يقل عن 75 حديثاً وتصريحاً تتصل بالحزب، وهي تنوّعت بين وجهات نظر للقادة العسكريين الصهاينة تصب كلها في خانة أن الحزب قد طوّر من استعداداته العسكرية على طول الحدود، إضافة الى الاشارة قبيل أيام الى مسألة أن صواريخ ايرانية جديدة ضد الطائرات قد أدخلت (بعدما هرّبت الى لبنان مفككة) للتو إلى ترسانة الحزب.

وكانت ذروة التصعيد الصهيوني في مضمون التهديد الذي أطلقه اول من أمس رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، وحذّر فيه من “ان كل لبنان سيدفع ثمناً باهظاً” اذا ما تجرّأ “حزب الله” على تنفيذ تهديدات لإسرائيل إنفاذاً لأوامر أتته من طهران أخيراً.

وبناء على هذه المعطيات والوقائع المحدثة، أثيرت تساؤلات في الأوساط الراصدة عن ما هي المستجدات الفعلية التي دفعت تل أبيب الى قرع جرس الانذار والتهديد على هذا المستوى المكثف على نحو بدت معه الأمور على جانبي الحدود وكأنها قاب قوسين او أدنى من الانهيار المريع توشك معه على التدحرج نحو المواجهة المفتوحة على الاحتمالات النارية؟

على جاري عادته حيال أي تهديد إسرائيلي مكشوف او مبطن، يعتصم “حزب الله” بقلعة الصمت ويستنكف عن إبداء اي رد فعل سلبي او ايجابي او حتى توضيحي، فهو من منطلق معرفته العميقة بمغاليق العقلية الاستراتيجية الاسرائيلية، يعتبر أن اي افصاح عن موقف او اظهار أي رد فعل، بصرف النظر عن حدوده وطبيعته، انما هو خدمة مجانية للمؤسسة العسكرية الصهيونية التي تكون بانتظاره لتبني على الشيء مقتضاه وتضع منظومة رد فعل او إقدام.

لذا، فإن الجهات المعنية في الحزب تؤثر عدم الرد أو البوح، لكنها تؤكّد للمتصلين بها أن كل شيء أو تحرك على الطرف الآخر من الحدود الجنوبية هو تحت عين الرصد، وهي اذ لا تنفي أن الحزب ما انفكّ يطوّر من استعداداته ويحدّث من قدراته القتالية ويتحسّب لكل صغيرة وكبيرة ولا تنفي إطلاقاً أن المواجهات غير المرئية مع العدو من أمنية ولوجستية تتوالى فصولاً على نحو يعرفها العدو ويعي أبعادها، فإن التقدير العام للموقف الميداني ومآلاته ما زال هو عينه مطابق لما سبق وأطلقه الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله في إطلالته الإعلامية الاخيرة التي تناول فيها الوضع على الحدود وما تنطوي عليه التهديدات الاسرائيلية المتتالية، وأشار فيه الى أن الحزب لا ينتابه أي تخوف من اي عمل عدواني معادٍ انطلاقاً من المسلمة المزمنة وهي أن هذا العدو لا يملك القدرة على الحسم والتحكم بالنهايات إذا ما هو قرر المضي قدماً إلى فتح ابواب المواجهة العسكرية مع الحزب.

ولم يفت الجهات عينها الإشارة الى انه في كل مرة يصعّد فيها قادة العدو من لهجة تهديداتهم ضد الحزب ولبنان يكونون يريدون إيصال رسالة الى جمهورهم لحظة يكون قد ولج أزمة سياسية داخلية تضعه فوق صفيح ساخن.

وهذه الرؤية تجد موافقة لدى الباحث في القضايا الإقليمية الأكاديمي طلال عتريسي إذ يستبعد في تصريح لـ “النهار” لجوء الكيان الصهيوني في هذه المرحلة الى عمل عسكري من أي نوع كان ضد الساحة اللبنانية، وعليه، فإن كل التهديدات الأخيرة التي دأب على إطلاقها قادة العدو في الآونة الاخيرة وفي مقدمهم نتنياهو، هي في تقديري محاولة مكشوفة لتصدير ازمة الداخل الاسرائيلي الى الخارج، اذ لم يعد خافياً أن اسرائيل تلجأ للمرة الثالثة خلال نحو عام الى انتخابات عامة مبكرة للهرب من أزمة استعصاء سياسي داخلي مفتوحة وفق كل التقديرات على الاحتمالات السلبية، وعليه، فإن نتنياهو يسعى من خلال إطلاق هذا العصف من التهديدات، إلى تعزيز أوراقه وموقفه من المعادلة الداخلية المرتجاة والسعي لتأمين عودته الى رأس هرم السلطة وتجنب كأس الهزيمة السياسية المرة وتلافي حبل المحاكمة والقضاء.

ولا يستبعد عتريسي أيضاً أن نتنياهو يحاول من خلال التهديد والوعيد الاستثمار في الأزمة اللبنانية من خلال ممارسة الضغوط على هذه الساحة الغارقة منذ أكثر من ستين يوماً في مشاكلها، وبالتحديد العمل على حشر “حزب الله” في الزاوية واظهاره بموقع المتهم. فضلاً عن ذلك، فإن اي عمل عسكري اسرائيلي ضد لبنان يحتاج بطبيعة الحال الى مباركة أميركية هي الآن غير متوافرة من إدارة ترامب الغارق ايضاً حتى أذنيه في أزماته وصراعاته الداخلية.

ويخلص الدكتور عتريسي الى الاستنتاج بأن “الأمور لا تعدو كونها تهديد المأزوم والمحتاج الى التذكير بأنه ما برح موجود وذو دور وتأثير”.

من جهته يرى الخبير في القضايا العسكرية العميد المتقاعد الياس فرحات في اتصال مع “النهار”، أن ليس في الافق من مستجد على جانبي الحدود يوحي بأن الامور آيلة الى التدرج في اتجاه المواجهة المفتوحة او حتى المحدودة”.

وكل ما في الامر يضيف فرحات ان “نتنياهو يسعى بشكل حثيث الى استغلال الاوضاع الساخنة في لبنان وفي ساحات عربية اخرى لكي يبعث برسالة الى جمهور الكيان الصهيوني عسى ولعل يبدو فيها بطلاً ومنقذاً والقادر على الفعل والتأثير في الداخل وفي المحيط إن هو أتيح له العودة الى رأس الحكم في تل ابيب في وقت تظهر كل استطلاعات الرأي حول الداخل الاسرائيلي بأنه في وضع المأزوم إن لم يكن اليائس والموشك على الخروج من السلطة الى وراء القضبان”.

ويختم العميد فرحات بأن “هذه التهديدات هي باختصار لعبة صهيونية ممجوجة عرفناها منذ زمن بعيد في كل مرة يكون فيها الكيان الصهيوني برمته فوق صفيح ساخن من الازمات”.

ibrahim.bayram@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*