الرئيسية / مقالات / هل الشعب مدعوّ وحده إلى المقاومة؟

هل الشعب مدعوّ وحده إلى المقاومة؟

أثرتُ في آذار الماضي موضوع دعوة الرئيس ميشال عون اللبنانيّين الى الاستعداد لمقاومة اقتصاديّة فيأكلون ممّا يزرعون ويلبسون ممّا ينسجون، عندما قال إن على “الشعب اللبناني أن ينتقل إلى شعب مقاوم، مقاومة من أجل تحصين الاقتصاد، يشتري من انتاجه ويأكل ممّا يزرع”. والدعوة في مضمونها صحيحة لشعب في بلد يعاني الأمرّين على الصعيد الاقتصادي. لكن الحقيقة أنّ اللبنانيّين يأكلون ممّا يزرعون رغم أن عمليّة ري تلك المزروعات تتم من مياه ملوّثة في تربة ملوّثة ما يجعلهم يأكلون سموماً قاتلة، واللبنانيّون يتمنّون لو يحصلون على كل أنواع المنتجات الزراعيّة من أراضيهم التي تتقلّص بفعل جشع السياسيّين الذين يبادرون، مرّة بعد أخرى، إلى تغيير تصنيف الأراضي الزراعيّة لتصير مساحات مخصصة للبناء عليها، وبذلك تتقلّص المساحة الزراعيّة ويقل الانتاج، وترتفع ابراجهم العالية ومنتجعاتهم السياحية.

واللبنانيّون مستعدّون لاستهلاك صناعات وطنيّة، لكن معظمها صار أغلى من المستورَد، فالثياب من تركيا، والبطاطا من مصر، والحمضيات من سوريا، والبلاستيك من الصين، ومساحيق الغسيل من السعوديّة، والعصائر والألبان كذلك، وكلّها تخضع لرقابة فعلية لناحية الجودة والمواصفات أكثر من لبنان، وتصل بسعر أقل من الصناعة اللبنانيّة غير المحمية وغير المدعومة.

فالمقاومة الاقتصاديّة بما هي “شدّ حبال” لعدم الإسراف في الصرف، ولمحاربة الفساد، ووقف إهدار المال العام، واستعادة الأموال المنهوبة، وتحسين الجباية، وما إليها من خطوات، إذا كانت هي القصد، فهي أمر مطلوب منذ زمن، وقد تأخّر وضعه على سكّة التنفيذ.

وقد لفتتني آنذاك تغريدة للدكتور سعيد طربيه فيها ان “المقاومة الاقتصادية تتلخّص بأن يقاوم المسؤول شهيّته للثراء… وأن يقاوم المواطن شهيّته عن الأكل وشمّ الهواء… المواطن مستعدّ، يبقى أن يكون المسؤول مستعداً أيضاً”.

فاللبنانيّون مُستعدّون لهذه المقاومة الاقتصاديّة والوقوف إلى جانب مسؤوليهم إذا لمسوا جديّة في التعاطي، ومسؤوليّة في معالجة المشكلات، لا الاختباء في الظلّ، واعتماد علاجات وقتيّة، والاستمرار في الصفقات. هذه الخطوات تتطلّب البدء من فوق، من المسؤولين الذين يعيثون في البلد فساداً، ويغطّون الفاسدين، وتتفتح شهيّتهم أكثر فأكثر على الثراء الفاحش، ويستخدمون إمكانات الدولة لخدمة مصالحهم الشخصيّة، ومصالح أحزابهم وزعمائهم.

اليوم وقد اقتربت الانتفاضة من بلوغ شهرها الثاني، فلا يبدو تجاوب المسؤولين واضحاً، اذ وفق وزير فاعل، فان السرقات تستمر والسمسرات لم تتوقف والرشى تُدفع في الدوائر والمؤسسات العامة، ولا تبدو السلطة السياسية مستعدة لتقديم تنازلات جدية والبدء بـ”شطف الدرج من فوق”.

هذا التعاطي يبرز الفارق بين الدولة واللادولة، الدولة تحمي ابناءها اولا، وصناعتها وزراعتها وقطاعها المصرفي، واللادولة تسرق المال العام وتهدره، وتصادر اموال المودعين في المصارف، وتدمّر صناعتها، وتتلف زراعتها، وتهجّر أبناءها، والحال اننا نعيش في ظل الثانية. ومن دون أن تتّخذ إجراءات توحي بالثقة وبنظافة الكف وباعتماد معايير وأسس قانونيّة ودستوريّة والالتزام بها، لن تكون هناك مقاومة من أي نوع ولا تضامن شعبي من أي صنف، وسنظلّ نمضي إلى الهلاك في الطريق الذي نسير عليه.

اضف رد