الرئيسية / home slide / هل السماسرة يشترون البيوت التراثيّة المهدّمة في الجمّيزة ومار مخايل والمدوّر والكرنتينا والأشرفيّة؟

هل السماسرة يشترون البيوت التراثيّة المهدّمة في الجمّيزة ومار مخايل والمدوّر والكرنتينا والأشرفيّة؟

هذا المقال هو بمثابة تنبيه وإنذار، لإجراء اللازم قبل فوات الأوان. فقد قيل لي إنّ “السماسرة” الكبار جدًّا يملأون المدينة، وهم يرسلون عملاءهم منذ ثلاثة أيّام إلى المناطق المنكوبة في الجمّيزة، مار مخايل، المدوّر، الكرنتينا، والأشرفيّة، كما إلى الخندق الغميق، والباشورة، وزقاق البلاط، والقنطاري، ولا سيّما منها الأحياء التي لا تزال تحتضن البيوت التراثيّة ذات السقوف العالية، والصالونات المطرّزة، والواجهات الزجاجية المعشّقة والقناطر المعقودة، والحدائق الأماميّة والخلفيّة المتّصلة بهذه البيوت، والأدراج، والأزقّة الضيّقة الملحقة بها، لحضّ أصحابها المشرّدين، البلا سقوف وشرفات، على بيع هذه البيوت والممتلكات والعقارات، بالأثمان الملائمة، وبالعملات الاجنبيّة على وجه التحديد، إمعانًا في الترغيب.

مَن هم هؤلاء “السماسرة”؟

إنّهم السماسرة المعروفون وغير المعروفين. بعضهم بالأسماء، أفرادًا، وشخصيّاتٍ متخفّيةً وراء واجهاتٍ زائفة، ومتموّلين، وبعضهم شركات، ومؤسّسات. بعضهم محلّيّون، وبعضهم الآخر “أجانب”. وقد تلقّيتُ هذا الصباح، فضلًا عن الأيّام الثلاثة السابقة، رسائل عدّة، آخرها إشعارٌ مفاده أنّ زوجة أحد كبار المسؤولين في الجمهوريّة (سأتفادى ذكر الإسم) باشرت مهمّتها في هذا الصدد، وبثّت عيونها، وحصلت، هي وغيرها، ومن حيث يجب، أي من الدوائر العقاريّة، ومن بعض المخاتير، ومن بعض الدوائر البلديّة، ومن وثائق وزارة الثقافة، على سجلّاتٍ وافية بالإفادات العقاريّة لهذه البيوت، وبأسماء أصحابها، والورثة، وبأرقام الهواتف، تحضيرًا لإنجاز المهمّة التي لا تبتغي بالطبع، لا الاحتفاظ بهذا الإرث المعماريّ، ولا ترميمه، بل برمجة سبل تغيير معالم المدينة، والجغرافيا، وتحويل الأمكنة إلى مقابر سكنيّةٍ خاليةٍ من الروح والذوق والدماثة، فضلًا عن تهجير أصحابها وسكّانها الأصليّين.

هذا المشروع، مشروع السمسرة الكبير هذا، يشمل – أكرّر – أحياءً سكنيّةً، وبيوتًا تراثيّةً، في مناطق الخندق الغميق، والباشورة، وزقاق البلاط، والقنطاري، وسواها.

الغاية منه، هنا وهنا وهناك وهنالك، تدمير بيروت تدميرًا موازيًا للتدمير الزلزاليّ الذي حصل، وإفقادها ما بقي من هوّيتها المعماريّة والسكنيّة والمجتمعيّة والشعبيّة الأصيلة.

أرجو أنْ تكون معلوماتي خاطئة. أرجو ذلك من كلّ عقلي وقلبي. لكنّي متوجّسٌ للغاية. بل أكثر. بل أكثر. على كلّ حال، ربّ معلومةٍ ضارّة (خاطئة) نافعة.

ما هي الغاية الخفيّة من وراء هذا الجانب “السمساريّ” من الاهتمام بنكبة هذه المدينة؟

لا أريد أنْ أكون سيئ النيّة، أو شرّيرًا، ولا أيضًا وخصوصًا (أكرّر: ولا أيضًا وخصوصًا) أنْ أكون أسير هواجس “وجوديّة” و”ديموغرافيّة”، ممّا لا أرغب في أنْ أوليه من الاهتمام أكثر ممّا يجب. لكنّ الشيء المؤكّد أنّ الفرصة “الموضوعيّة” المتاحة الآن، بفعل النكبة، هي الفرصة الذهبيّة لدفن تلك البيوت دفنًا نهائيًّا، بذريعة استحالة إعادة ترميمها وإعمارها بصورتها الأصليّة، بغية تحويلها عماراتٍ شاهقة حديثة، أو مشاريع سكنيّة وناطحات سحاب عملاقة، تنزع عن هذه المناطق روحها العمرانيّة، وهندساتها، وإيقاعاتها المكانيّة، وميزاتها المشهديّة، وخصائصها المجتمعيّة، يحقّق من جرّائها أصحابُ المشاريع أرباحًا طائلة تفوق أرقامها كلّ تصوّر واحتمال.

ما المطلوب؟

يجب أوّلًا بأوّل، استصدار ما يلزم من قراراتٍ فوريّة، لجعل هذه المناطق المشار إليها، أرضًا منكوبةً غير قابلة للمسّ، تحت أيّ ذريعةٍ من الذرائع، والعمل على وضعها ضمن لائحة التراث العالميّ، بما لا يترك أيّ مجالٍ، لأيّ جهةٍ، أو شخصٍ، أو سلطة، أو سمسارٍ، لتغيير معالم هذا الإرث المنكوب، وتحويله إلى صفقاتٍ للسمسرة والمقايضة والبيع والشراء.

المطلوب، في خلال ذلك، الحؤول الفوريّ دون تهدّم هذه البيوت، من طريق التدعيم الهندسيّ الأوّليّ الذي يراعي أمان الأمكنة والأحياء والشوارع، وأمان الناس على السواء، قبل حلول فصل العواصف والأمطار.

هذه مهمّةٌ مدينيّةٌ – بيروتيّةٌ – حضاريّةٌ – ثقافيّةٌ – معماريّةٌ – هندسيّةٌ – وجدانيّةٌ – إنسانيّةٌ – أخلاقيّةٌ، بل هي مهمّةٌ وطنيّةً لا تقلّ شأنًا عن المهامّ المتشابكة والمعقّدة، في أبعاد المأساة الزلزاليّة، ووجوهها المتنوّعة الأخرى.

إنّي أوجّه نداء استغاثةٍ عاجلًا إلى كلّ مَن يعنيه هذا الأمر في الداخل اللبنانيّ وفي الخارج، وأحضّ أهالي هذه المناطق بشكلٍ خاصّ، والثوّار، والناشطين، والمثقّفين، والهيئات المدنيّة، وجمعيّات البيئة والتراث، والحرصاء الذوّاقة من أبناء هذه المناطق، ليكونوا حرّاس هذا الإرث النادر، المهدّد بالزوال، والاندثار، ولا سيّما على أبواب فصلَي الخريف والشتاء.

هو نداء استغاثة، صحّ. لكنّه تنبيهٌ وإنذار. فالندم في ما بعد، لا يعود ينفع.

هذه المسألة لا تتحمّل تأجيلًا لنهارٍ واحد. السماسرة في كلّ مكان. وهم يدقّون الأبواب، ويعرضون المال العينيّ نقدًا، وبالعملات الأجنبيّة.

فهل، حقًّا، سيشتري السماسرة البيوت التراثيّة المهدّمة في الجمّيزة ومار مخايل والمدوّر والكرنتينا والأشرفيّة، كما في الخندق الغميق والباشورة وزقاق البلاط والقنطاري، لتغيير معالم المدينة تغييرًا نهائيًّا، في الشكل، وفي المضمون؟

مَن يقرأ هذا السؤال، فليطرحه على نفسه، ولينشره على السطوح، ليسمعه القاصي والداني.

ومَن له أذنان سامعتان فليسمع!

Akl.awit@annahar.com.lb