الرئيسية / home slide / هل أضحت “الفدرلة” مطلباً مسيحياً شاملاً؟

هل أضحت “الفدرلة” مطلباً مسيحياً شاملاً؟

18-01-2023 | 12:04 المصدر: “النهار”

اسكندر خشاشو

اسكندر خشاشو AlexKhachachou

صورة مركبة لجعجع وباسيل والجميل. (ديما قصاص/ النهار

أثار حديث رئيس حزب “#القوات اللبنانية” سمير جعجع عن “إعادة النظر في كلّ التركيبة اللبنانية”، إذا أصرّ “حزب الله” على انتخاب “رئيس على ذوقه”، بناءً على تسوية خارجية – داخلية، اهتمام الجمهور والمراقبين، خصوصاً حين برّر حديثه بأنّه من غير المقبول “أن نبقى والأجيال اللاحقة تحت سيطرة “حزب الله” اللاشرعية”، قبل أن يذهب إلى الإحالة الفجّة مخاطباً الأمين العام للحزب: “الله يوفقو مطرح ما هو بسّ ما بقا فينا نكمّل هيك”.

من دون أدنى شكّ، فتح الحديث المجال للاستنتاجات، ودفع العديد إلى اتّهام جعجع بالتّهديد بالتقسيم والفيدرالية، وهو ما استدعى ردّاً مباشراً من رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي وليد جنبلاط الذي استغرب الطّرح.

لكن اللافت في هذا الأمر أنّ التلميح بالفيدرالية أو التقسيم لا يقتصر على جعجع فقط، فقد شهدت المرحلة السابقة تلميحات من رئيس “#التيار الوطني الحر” جبران باسيل في مراحل، كان أوضحها في الشهر السابق، عقب خلافه مع “حزب الله”، على خلفيّة اجتماع الحكومة، حين قال ما حرفيّته “مش ماشي الحال أبداً، ويجب البدء جدّياً باللامركزية الموسّعة؛ إن لم يكن بالقانون بعد 30 سنة من الطائف، نبدأها على الأرض”.

يتحدّث باسيل بشكل دائم عن لامركزيّة إدارية وماليّة موسّعة، تقترب من الفيدرالية أو تشبهها، في وقتٍ يدلي رئيس حزب #الكتائب سامي الجميل بتصريحات، ويُكرّر في إطلالاته حديث الطلاق والانفصال.

في السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد حراك 17 تشرين 2019، كثر الحديث، خصوصاً في البيئة المسيحيّة، عن الانفصال والفدرلة؛ وذلك عقب سلسلة الإحباطات التي لحقت بالحراك، وأدّت إلى هجرة كبيرة، بالإضافة إلى تضرّر المؤسّسات التي تعتبرها هذه البيئة أساساً في حضورها.

لم يقتصر خطاب اللامركزيّة الفدرلة على الأحزاب السياسيّة، فقد توّجه البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي عن الحياد، ليأتي الرّد عليه من المجلس الشيعي الأعلى، الذي رفض استمرار صيغة الحكم القائمة على ثنائيّة رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء التي جاء بها اتفاق الطائف، وطرح صيغاً جديدة، يُراد منها الانتقال من المناصفة بين المسلمين والمسيحيين إلى المثالثة بين السنة والشيعة والمسيحيّين.

وسط هذه الأجواء السياسي، وعلى وقع الخطاب المتشنّج، بدأ حراك من شخصيّات مسيحيّة، بل مارونيّة تحديداً، حزبيّة وغير حزبيّة، ورهبان في الكلسيك، ومدنيّين من خارج التشكيلة الحزبية المسيحيّة، وصحافيين وأصحاب نفوذ وشخصيّات مصرفيّة مسيحيّة للتنظيم الذاتيّ تحت عنوان مشروع واحد: “الفدرالية مقابل المثالثة إذا طُرحت”.

ثمة تأكيدات أن محاولات جدّية جرت لتأسيس “منظومة مواجهة” للمرحلة المقبلة، تسعى – بحسب ما تسرّب منها – للمحافظة على ما تبقّى من نفوذ المسيحيّين. ولكن حتى الساعة لم يتبلور شيء جَدّيّ.

يستند هؤلاء المشار إليهم إلى أن “حزب الله” وضع يده على الدولة اللبنانيّة، وأضحى يحكمها، لا بل أخذ لبنان إلى محور لا يشبهه بمعيّة إيران وسوريا، وبدأ بتحويله إلى ما يُشبه العراق أو اليمن، وهم سيواجهون ولو قبل القادة التسويات.

وعلى الرغم من هذا الحراك والطرح في الأوساط، فإنّ الأحزاب لا تزال حتى هذه اللحظة تنفي هذه الفكرة، لا سيّما أنّ ما طُرح في سبعينيّات القرن الماضي من خُطط لم تعد واقعيّة في هذا العصر، وسط التغيّر الديموغرافيّ الهائل والسياسيّ على مستوى الإقليم والوطن.

“القوات اللبنانية”

في هذا الإطار، ينفي مصدر في “القوات اللبنانية” أن يكون كلام جعجع دعوة نحو الفدرلة أو التقسيم، موضحاً بأنّ جلّ ما أعلن في المقابلة هو خياراته الواضحة، ووضع خريطة الطريق لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، حين رفض بشكل قاطع أن يكون “الرئيس المقبل تابعاً لفريق الممانعة”، ومؤكّداً أنّ المواجهة نابعة من “طبيعة وطنيّة، وأن المستهدف هو الدستور والدولة اللبنانية”.

وأضاف المصدر أنّ “من ضمن الأهداف، التي حدَّدها رئيس القوات، الوصول إلى انتخاب رئيس جديد للجمهورية؛ وعندما يتمّ انتخاب رئيس يُعاد إنتاج سلطة متكاملة، من رئيس حكومة وحكومة مع إعادة وضع البلد على السكّة الصحيحة. وبالتالي، سيبقى هذا الهدف أساسيّاً بانتظار انتخاب رئيس للجمهورية”.

وبحسب المصدر، فإنّ جعجع رفض بشكل واضح، وأكّد أنه “لا يمكن القبول بوصول رئيس تابع لفريق 8 آذار لسبب بسيط، هو أن رئيساً من 8 آذار يعني استمرار الأزمة لـ6 سنوات مقبلة، ولبنان لا يتحمّل استمرار ذلك. وهذا أمر غير مقبول بالنسبة إلى رئيس القوات الذي كان قاطعاً برفض استمرار الشغور الرئاسيّ، وأنه سيكون للقوات خيارات بديلة. وعلى الرغم من أنه لم يحدِّد طبيعة هذه الخيارات، لكنّه وجَّه رسالة واضحة المعالم لمحور الممانعة بأنه لن يقبل بأن يكون الشغور مفتوحاً، لأنّ اللبنانيين يريدون العيش بكرامة”.

وبرأيه، يعتبر جعجع أنه يجب الركون إلى الدستور واللعبة الديمقراطية. بالتالي، ليس “حزب الله” من يحدِّد القواعد لناحية عدم اللجوء إلى الانتخابات والتي هي المعيار الأساس”.

وفي تحليل المصدر أنّ من” الممكن البحث في صيغ أفضل تساهم في إنتاج الأفضل من الواقع اللبناني”، متحدّثاً عن “سبل عدّة وتسهيلات مساعدة، إذ من الممكن تحقيق الهدف عبر نظام اتحاديّ”.

أمّا موقف “القوات اللبنانية” فهو التمسك الكامل بالطائف، ورفض أيّ طرح فيدراليّ من شأنه أن يقسّم البلد طائفياً أو مذهبيّاً.

“الكتائب”

هذا على مستوى “القوات”. أمّا “الكتائب” فلا ترى الفيدرالية حلّا، “فإمّا صيغة معيّنة للعيش سوياً من دون هيمنة فئة على أخرى وباتفاق الفئتين، وإمّا تقسيم كامل”.

وترى الكتائب أنّ الطلاق الذي يتحدّث عنه رئيسها هو “أبغض الحلال”، وعندما تنعدم حظوظ الاتفاق؛ وحتى الطلاق يمكن أن يكون بالاتفاق وحبّياً، وبالتالي لا بدّ من صيغة للاتفاق أو للطلاق.

وإذ تشدّد الكتائب على تأييدها المطلق للّامركزية، وقد تقدّمت بطرحها من مجلس النواب، الذي يعكف على مناقشة مشروع قانون اللامركزية الذي تقدّم به رئيسها، ترى أن الحلّ في لبنان هو أبعد من ذلك.

“التيار الوطني”

للتيار الوطني الحرّ وجهة نظر مختلفة، فهو بحسب مصادره يتمسّك بشعاره التاريخيّ بأن “لبنان أكبر من يُبلَع، وأصغر من أن يُقسَّم”، وبالتالي فالفدرلة أو التقسيم طرحان مرفوضان كلّياً، لكنّها تشدّد على أنّ اللامركزية بدأت تنفّذ على الأرض من خلال غياب خدمات الدولة، والقيام بالمبادرات الفردية، سواء في مجال الطاقة الشمسية أو غيره، ولا حلّ للبنان “إلا بتغيير النظام أو تطويره، والعمل على تطبيق وثيقة الوفاق الوطنيّ وإقرار اللامركزية الإدارية”، مؤكّدة أنّ “فشل الدولة سببه سوء النظام”.

وتضيف: “جرّبنا كلّ شيء، من الإقصاء الكامل بين 1990 و2005، إلى الإقصاء عن الحكم بين 2005 و2008، ثم المشاركة في الحكم، والنتيجة: لا حلّ إلا بتغيير النظام أو تطويره”.

وتشدّد المصادر على التمسّك بالشراكة الوطنيّة “وسنبقى كذلك في حال بقي النظام طائفياً”.

في المحصّلة، يتّفق الجميع على أن “النظام الحالي أصبح عصيّاً على الاستمرار، لكنّ ربط هذا الأمر برئاسة الجمهورية هو خارج عن المنطق؛ فالقضيّة ليست فرض طائفة رئيساً على طائفة أخرى، فلو اتفقت الأطراف المسيحية مع بعضها ففي إمكانها فرض رئيس من دون شكّ، ولن تقف بوجهه الطوائف الأخرى، إنّما الخلافات الكبيرة بين هذه الأطراف هي ما يعرقل الأمر، ولا يبدو أن لبنان مهيّأ للدخول في الفدرلة والتقسيم، بسبب التعدّدية الدينية والتباينات الثقافية والاجتماعية، كما أن لبنان يفتقد إلى الحسّ المدني الفيدرالي، وهذا يؤكّد أنّه لا بدّ من وجود صيغ أخرى يجب ابتكارها لإعادة الروح إلى هذا الوطن”.