الرئيسية / مقالات / هلمّوا لإنقاذ المصارف سريعاً

هلمّوا لإنقاذ المصارف سريعاً

كنا نحب المصرف عندما كان يسهّل امورنا، وتضاعف حبنا لمّا رفع الفوائد على ودائعنا، وخدعنا انفسنا عندما رفضنا الاستماع الى نصائح عن مساوئ ارتفاع الفوائد وتداعياته السلبية على مجمل الوضع المالي والاقتصادي.

وصرنا نكره المصرف عندما حرمنا الدولار النقدي، وخفّض الفائدة، وقيّد التعامل بالبطاقات المصرفية، ومنعنا من التحويل الى الخارج، وتعامل معنا بإذلال لا مثيل له. مدير المصرف الذي كان يلاقينا ويستقبلنا بابتسامة تملأ وجهه، صار يتلافى النظر الينا، ويتهرب من محاولتنا السلام عليه. علاقة حب انتهت. قصص كثيرة تنتهي على زغل. حتى الازواج يختلفون وينفصلون، وربما يتحول حبهم بغضاً وكراهية وأعمالاً انتقامية.

العلاقة مع المصارف صارت ملتبسة. الثقة تراجعت الى حد كبير لدى اللبنانيين، والمودعين من غير اللبنانيين، بإدارات المصارف، وبالقطاع ككل. واستعادة هذه الثقة تحتاج الى سنوات اذا ما أُعيدت الامور الى نصابها اليوم او غدا.

لكن المشكلة ان الاجراءات الحالية غير قادرة على اصلاح ذات البين في المدى القريب، ما يعني تأخر تسوية العلاقة ما بين طرفَي العقد، علماً ان المودع يشعر على الدوام انه الطرف الاضعف في هذه العلاقة، خصوصا اذا كان مودعا صغيرا لا يقيم له اصحاب المصارف وزناً.

هذا التراكم في العلاقة غير المتكافئة ما بين المصرف والمودع، انفجر اخيرا في وجه “الظالم” بعدما شعر “المظلوم” ان في امكانه تغيير قواعد اللعبة. لكن الرياح لم تجرِ وفق المشتهى، اذ كانت الظروف المحيطة، المؤثرة سلباً على القطاع، قد سبقت مرحلة التغيير، فجعلت المصارف في وضع سيئ لا تنفع معه محاولات تعديل دفتر الشروط، او تحسين المعاملة والاداء.

واذا كان البعض يرمي الثورة بلائمة تراجع الوضع المصرفي، فهو إما جاهل، او يتقصد الاساءة، وإخفاء الحقائق، لان انتفاضة 17 تشرين انقذت مصارف لبنان من الافلاس الحتمي. فالمؤشرات السلبية كانت تتراكم منذ العام 2016 مع الهندسات المالية، واستمرت في الاعوام التالية، وما رفعُ الفوائد إلا احد وجوه هذا التراجع، والتصنيفات اللاحقة بالتخفيض المستمر اثّرت سلبا على الحركة المصرفية، واضعفت الثقة بالقطاع، ما دفع متمولين كباراً الى “تهريب” اموالهم، والصغار الى سحب ما امكن احتياطاً، ليتحول دور المصارف الى صندوق ليس اكثر، في غياب الاستثمارات، والقروض المدعومة، وتراجع الصناعة والزراعة، وتقلص القطاع العقاري.

وقد اتاحت الانتفاضة للمصارف إقفال ابوابها مدة اسبوعين، لتلملم اوضاعها، وتتخذ قرار تقييد حركة رؤوس الاموال (كابيتال كونترول) فتنقذ نفسها من هلاك محتوم.

لكن بعيدا من كل هذه القراءات، والنقمة المتفاقمة، فان المصلحة الوطنية والمجتمعية تقتضي من كل لبناني، عدم تصويب السهام القاتلة الى المصارف، لان القطاع حيوي للبلد بكل ما للكلمة من معنى. ولان الاقتصاد لا يقوم من دون المصارف. ولأن القطاع شريك في معظم المشاريع الحيوية، ولانه يوظف الآلاف من الشبان، ولأنه يشغل عقارات كثيرة. واذا ما سقط القطاع تضاعفت الخسائر، وفقد لبنان احد مقومات الجذب بعدما فقد ميزته السياحية، ليصير بلدا عالة على بنيه وعلى العالم.

اضف رد