الرئيسية / home slide / هكذا عكست الصّحافة اللبنانيّة الانقسام حول إعلان دولة “لبنان الكبير”

هكذا عكست الصّحافة اللبنانيّة الانقسام حول إعلان دولة “لبنان الكبير”

20-01-2021 | 09:00 المصدر: النهار العربيليليان قربان عقل

يوم اعلان دولة لبنان الكبير

لعبت الصحافة اللبنانية في الوطن وفي المهجر دوراً بارزاً في تظهير هذا الحدث التاريخي، والذي كانت واكبته من خلال حركة فكرية نهضوية قبل حدوثه، عاكسة التيّارين اللذين خيّما في ذلك الوقت على المشرق العربي. تزامن إعلان دولة لبنان الكبير مع القضاء على استقلال “الدولة العربية” التي حاول الأمير فيصل ابن الشريف حسين إقامتها على أنقاض ما تبقّى من الدولة العثمانية بعد انهزامها في الحرب العالمية الأولى. 
كيف واكبت الصحافة اللبنانية إعلان دولة لبنان الكبير في أول أيلول (سبتمبر) عام 1920 الذي مهّد لنشوء الجمهورية اللبنانية عام 1926، عاكسة هذا الاختلاف بين التيار العروبي والتيار اللبناني والذي ظهر من خلال مواكبتها الحدث وتغطيتها تداعياته الوطنية من خلال الصحافة اللبنانية “المحلية” و”المهجرية”؟ اخترنا نموذجين من كل منهما كانا الأكثر تأثيراً وانتشاراً في ذلك الوقت، فكانت “لسان الحال” التي تصدر في بيروت مؤيّدة للفرنسيين و”الحقيقة” البيروتية معارضة لذلك وذات توجّه عروبي، تقابلهما في المهجر جريدة “الهدى” ذات “التوجّه اللبناني الفرنسي” وجريدة “مرآة الغرب” ذات “التوجّه العروبي”.
لُقّبَت صحيفة “لسان الحال” البيروتية بشيخة الصحافة اللبنانية لأنّها عمّرت كثيراً. بدأت بالصدور عام 1877، أصدرها خليل سركيس صهر المعلّم بطرس البستاني وواكبت نشوء دولة لبنان الكبير بالترحيب، وظهر ذلك بوضوح في عددها الصادر في بيروت الخميس في 2 أيلول (سبتمبر) سنة 1920 ومن خلال الافتتاحية التي كتبها رامز سركيس (ابن خليل سركيس) وحملت توقيعه وفيها يقول: “لأول مرّة في التاريخ الحديث نعيّد العيد الوطني ونرفع الأعلام الوطنية، فقد كنّا إلى حين قريب بلا وطن فأصبحنا اليوم والوطن وطننا والبلاد بلادنا”. وفي الصفحة الرقم (2) من العدد نفسه تحت عنوان: “المناداة بلبنان الكبير”، مهرجان الأمس، تظهر احتفالية الصحيفة بهذه المناسبة “فهوذا نحن اليوم نحيي يوماً عظيماً، وإن عدلنا وجب علينا أن نقدسه يوماً ونعيّده مدى الدهر، وننشر في كل عيد مثل هذا العيد عواطف إخلاصنا وزهر ربيع الحياة”. وتتوجّه المقالة إلى الجنرال غورو: “إنّنا نتقدّم إلى فخامة الجنرال غورو وإلى كل أعوانه الكرام بإظهار كل عاطفة شكر وامتنان وإخلاص”.
“لبنان الكبير وطننا وأرض نشأتنا، وله علينا كل حق مشروع، فلنصل على ترقيته وإعلان نشأته لأن ترقية الوطن ترقية الأمة”.
صدر العدد الأول من صحيفة “الحقيقة” البيروتية في 6 شباط (فبراير) عام 1909 لصاحبها أحمد عباس الأزهري الذي كان أستاذاً في المدرسة الوطنية التي أسّسها المعلم بطرس البستاني. كانت وطنية استقلالية عروبية التوجّه وحافظت على ذلك حتى بعد إعلان دولة لبنان الكبير.  في عددها الذي توفّر لنا والصادر في أول تشرين الأول (أكتوبر) عام 1920 في بيروت، وفي مقالة الافتتاحية التي حملت توقيع “ابن عباس” تحت عنوان “عادت الحقيقة والعود أحمد” كتب: “اليوم دخلت البلاد في طور جديد بعد أن اعترفت بالانتداب رسمياً، فانحصرت مهمّة الحقيقة في السياسية الداخلية تاركةً الخارجية ترام في “ميدان فسيح” إلى أن يقضي الله أمره، ولكل أجل كتاب، فمهمة الوطنيين الصادقين والحقيقة أيضاً يجب أن تتجّه الآن نحو السياسة الداخلية، فيختارون حكماً وطنياً يتجلّى فيه الإخلاص لهذا الوطن إلى أن يتربّى الشعب التربية القومية الصحيحة، وهناك يكون الاستقلال كالثمرة إذا لم تقطفها يد البستاني عند نضوجها وقعت من نفسها”.
واكبت صحيفة “الهدى” المهجرية بفرح إعلان دولة لبنان الكبير في عددها الصادر في 2 أيلول (سبتمبر) عام 1920، إذ نشرت في صفحتها الأولى تحت عنوان بلاغ الجنرال غورو: “تطوّرت المسألة السورية بفعل ذلك البلاغ الذي أرسله الجنرال غورو إلى الأمير فيصل ونشرته “الهدى” في هذا العدد كما أوضحت في مقدمة المقالة، لأن رسائل المكاتبين وشركات التلغراف لم تنقله وإن جاء متأخراً فذلك لتوضيح حقائق تاريخية وتوثيقها، وأبرز ما جاء في بلاغ الجنرال غورو نورده كما نشرته “الهدى” في عددها هذا: “إن جيشنا الذي حارب ولم يزل يحارب العصاة، لم تبدُ عليه مظاهر الضعف والوهن، فالحكومة الدمشقية مسؤولة لدى شعبها الذي وعده مؤتمر السلام في الحياة ورغد العيش تحت وصاية حكومتنا الفرنساوية. لقد اعترفتم باحتياج الأمّة الشديد لاستشارة ومساعدة دولة عظيمة تنهض بها إلى الرقي بعد ما عانته من نير الأتراك وهذه الحرب العامة من التأخير، وعليه فقد أثبتت الحكومة الفرنساوية التي طلبتموها منتدبة عليكم باسم أمّتكم استعدادها للعالم أسره عن إمداد سوريا مادياً ومعنوياً بلا تفريق بين الملل والعناصر، وسوف يعلن المجلس السوري بتفاصيل هذه المساعدة التي أخذتها حكومتنا على عاتقها”. 
في عدد صحيفة “مرآة الغرب” المهجرية الصادر في أول أيلول (سبتمبر) عام 1920 تحت عنوان “فيصل في رومية” تشجب المقالة تصرّف الفرنسيين في سوريا وسلطتهم العسكرية ونفي أعضاء مجلس إدارة لبنان. وتشير إلى أن السوريين لن يعترفوا قط بشرعية احتلال الفرنسيين بلادهم ولا بأي نوع من الوصاية أو الاستقلال الإداري، ولا يرضون بغير الاستقلال التام. وقالت إن “تقرير البعثة الأميركية التي استفتت السوريين يدل على شعور السواد الأعظم من السوريين ومنهم قسم كبير من المسيحيين. إن السوريين ليسوا ضد الفرنسويين وإنّما هم ضد سلطة الاحتلال العسكرية الفرنسوية”. وقالت أيضاً: “أما كون فرنسا حامية الطوائف المسيحية من تعصّب المسلمين فهو زعم قديم ولكن لا أساس له، فإن السلطة الفرنسوية في بيروت بدلاً من ذلك جعلت غايتها التفريق بين المسيحيين والمسلمين الذين يعيشون كالإخوة، وقد بذلوا جهدهم للتوفيق بين آمال الشعب ومصالح الفرنسويين في سوريا”.
وفيما أظهرت جريدة “الهدى” ولاءها للفرنسيين بوضوح عبّرت عنه بـ”حكومتنا الفرنساوية” مرحّبة بأهمية “مساعدة فرنسا لشعبنا اللبناني ومن دون تفرقة، للوصول إلى الرقي والتقدّم بعد ما عانته بلادنا من نير الأتراك، وهي قادرة على ذلك كونها دولة عظيمة”، هاجمت “مرآة الغرب” الفرنسيين الذين وصفتهم بالمحتلّين و”الاحتلال الفرنسي” وبأنّهم يسعون إلى السلطة. ووصل بـ”مرآة الغرب” الحدّ إلى اتّهام الفرنسيين بقمع الحرية وبأن أحكامهم جاءت أشد ظلماً من تلك التي “صدرت في عهد جمال باشا الحاكم التركي”. حتى أن مصطلح “لبنان الكبير” استُعمل في جريدتي “لسان الحال” و”البرق” البيروتيين وفي جريدة “الهدى” المهجرية، فيما لم يظهر في جريدة “الحقيقة” البيروتية وجريدة “مرآة الغرب” المهجرية.
هكذا تعاملت الصحافة اللبنانية في الوطن والمهجر مع هذا الحدث التاريخي من خلال مواد تحريرية تتوافق مع سياسة صاحب الجريدة وموقفه الوطني من هذا الحدث ببعده الإيديولوجي. فيما كانت “لسان الحال” لصاحبها خليل سركيس و”البرق” لصاحبها الأخطل الصغير (بشارة الخوري) تدعوان إلى استقلال لبنان تحت الوصاية الفرنسية، كانت “الهدى” تلاقيهما في هذه النزعة التي عُرِفَ بها صاحبها نعّوم مكرزل الذي ناضل من أجل استقلال لبنان برعاية فرنسية، قابله نجيب دياب في جريدة “مرآة الغرب” وسليمان بدّور صاحب جريدة “البيان” في حمل لواء الدفاع عن القضايا العربية أسوةً بجريدة “الحقيقة” البيروتية لصاحبها أحمد عباس الأزهري التي عُرِفَتْ أيضاً بنزعتها العروبية.
   *باحثة في علوم الإعلام والاتصال