الرئيسية / أخبار المصارف / هكذا إنعدمت الثقة بمصارف لبنان!

هكذا إنعدمت الثقة بمصارف لبنان!

وليد بركسية|الثلاثاء24/12/2019
Almodon.com

يتم تفسير الإجراءات المصرفية الحالية من قبل الشعب اللبناني على أنها إجراءات عقابيةتحيل أزمة المصارف التي تزامنت مع احتجاجات واسعة مستمرة في لبنان منذ شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي، إلى قراءتين مختلفتين ظاهرياً. أولاهما في الصحافة العالمية التي تنظر للحدث ببراغماتية، مقدمة حلولاً للخروج من الأزمة بناء على الأسباب التاريخية التي أدت للانهيار المالي الحالي في البلاد. أما الثانية، فيمكن تلمسها في الصحافة المحلية المستقلة ومواقع التواصل الاجتماعي، التي تصف المصارف كجزء من السلطة، وكقوة ظالمة أسهمت في إخماد وتيرة التظاهرات التي نعتها الصحف العالمية نفسها في وقت سابق.

وإن كانت القراءة الأولى مفرطة في الواقعية ومؤلمة إلى حد تبرير الإجراءات الحالية التي تقوم بها المصارف بحق المودعين، فإن القراءة الثانية لا تشكل جزءاً من نظرية مؤامرة يتلذذ أصحابها بدور الضحية. ورغم اختلاف وجهتي النظر، فإن الواقع يكمن ربما في الجمع بينهما، بدلاً من تفضيل قراءة تعميمية على أخرى، خصوصاً أن التحليل في كل منهما، ينطلق من زاوية لا تلغي الزوايا الأخرى بقدر ما تهمشها أو ربما تتكامل معها من دون الإشارة لها بشكل صريح.

ويعني ذلك أن الصحافة المستقلة والناشطين في مواقع التواصل، ينطلقون من واقع رؤية مباشرة للظروف المعيشية في لبنان في ظل الإجراءات التي فرضتها المصارف على السحوبات النقدية والحوالات المالية وغيرها من العمليات البنكية، ما يؤثر بشكل مباشر على الحياة اليومية للبنانيين، ويتعزز ذلك بتاريخ طويل من التعامل مع تلك المصارف ومعرفة مباشرة بارتباطاتها السياسية، بالإضافة لعامل القهر المتولد من أسلوب المعاملة المزدوجة من قبل المصارف مع كبار المودعين مقارنة بأصحاب حسابات التوطين على سبيل المثال. فيما تؤدي القصص التي تنشر حول المصارف لتعزيز قصة المظلومية، والحديث مجدداً عن العلاقة الوطيدة بين النظام المصرفي والطبقة السياسية الفاسدة في البلاد.

بدورها، تستند الصحف العالمية على الرؤية السابقة بغرض تقديمها كدليل على صعوبة الخروج من الأزمة المالية وليس على وجود تلك الأزمة من الأساس، وتنقل الحوار بالتالي إلى مرحلة مختلفة، تعود جذورها إلى الحرب الأهلية اللبنانية وتأسيس النظام الطائفي الذي يسعى المحتجون في البلاد للخلاص منه، بوصفه نظاماً لا يحافظ على السلم الأهلي مثلما تكرر السلطة، بل يحافظ على شبكة المحسوبية التي يمكن لزعماء الطوائف استغلالها (فورين بوليسي). وبالتالي فإن النظام السياسي الحالي في لبنان ليس نظاماً طائفياً ولا تغذيه الأحقاد، بل هو نظام قائم على ضمان تدفق الأرباح للنخب عبر الفساد، وبالتالي فإن الانهيار الحالي ليس سوى نتيجة تراكمية لا مهرب منها.

وإن كانت هذه القراءة قريبة من الخطاب المحلي إلا أنها لا تشير للمصارف مباشرة، كطرف يلعب دوراً في الضغط على اللبنانيين للخروج من الشارع والرضا بأي بديل تقدمه السلطة لهم. ولعل السبب يعود إلى قصور طبيعي في فهم التركيبة اللبنانية، التي يصعب فهمها حتى على اللبنانيين أنفسهم أحياناً، مع تكريس فكرة نمطية عن لبنان كدولة تمتلك حداً أدنى من الديموقراطية في الشرق الأوسط لكنها تعاني من التغلغل الإيراني عبر حزب الله الذي كرس دولة ضمن الدولة، وهي فكرة تناقض الحديث عن جذور النظام الطائفي في لبنان، لكنها لا تنفصل عنه ويمكن تلمسها في مقالات موازية نشرتها صحف كبرى مثل “واشنطن بوست“.

والحال أن الفصل بين المصارف ككيان والسلطة السياسية ككيان آخر، يلاحظ في كافة القراءات الغربية للحدث، فصحيفة “فايننشال تايمز” في تقرير شامل عن الأزمة الاقتصادية في لبنان، قالت بوضوح أنه “على الرغم من أن الحكومة لم تستحدث قيوداً على رؤوس الأموال رسمياً، يبدو أن البنوك بادرت من تلقاء نفسها للحفاظ على السيولة ورؤوس الأموال بوضع حد أقصى للمبالغ التي بإمكان العملاء سحبها أو تحويلها إلى الخارج”، كما تحدثت عن محاولات الحكومة السابقة طلب مساعدات خارجية من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، لمنع الانهيار المصرفي.

والمشترك بين الرؤيتين المحلية والعالمية، هنا هو الإقرار بفقدان الثقة بالنظام المصرفي، فالتقارير التي أوردتها “فايننشال تايمز” ووكالة “بلومبيرغ” استندت بشكل مستمر على تقارير وكالة “فيتش” الائتمانية المتعاقبة والتي خفضت تصنيف لبنان مرات عدة خلال العام الجاري، وقالت مؤخراً أن “القيود المفروضة على السحوبات بالدولار والتحويلات الخارجية التي يفرضها المقرضون التجاريون … أضرت بالثقة في القطاع المصرفي”. ويعزز الجمود السياسي الحالي في البلاد، هنا، بشكل مباشر المخاوف بشأن عجز لبنان عن سداد ديونه الضخمة.

تقرير “فايننشال تايمز” أورد مقاربات مثيرة للاهتمام فسر بها الأزمة الحالية، بناء على القرارات التي إتخذها المصرف المركزي، منذ الأزمة المالية العالمية العام 2008، وصولاً إلى الحرب السورية التي فرضت ضغوطاً على الاقتصاد اللبناني لكنها لم تكن السبب المباشر في أزمته. بل يعود ذلك على الأرجح إلى الاستقالة الغامضة لرئيس الوزراء السابق سعد الحريري واختفائه بالمملكة العربية السعودية في تشرين الثاني/نوفمبر 2017، والذي أخاف المودعين اللبنانيين الأثرياء وشجعهم على نقل الأموال إلى خارج لبنان، ما أسس لفترة انهارت فيها الودائع المصرفية تدريجياً.

اللافت هنا أن اللوم كله يلقى على المصرف المركزي والسياسات الحكومية المتتالية، وتصبح الإجراءات الحالية من قبل المصارف محاولة متأخرة للإصلاح الاقتصادي، يتم تفسيرها من قبل الشعب اللبناني على أنها إجراءات عقابية، رغم أنها ليست كذلك. وفيما يتم طرح مجموعة من الحلول (فايننشال تايمز، بلومبيرغ) إلا أن تلك الحلول تبقى غير واقعية حسب التقارير، لسبب بسيط هو أن الشعب اللبناني فقد الثقة بنخبته السياسية، بينما تحتاج الإصلاحات لحكومة ذات مصداقية.

هذا الأفق المسدود، ربما أدركه اللبنانيون جيداً من دون الخوض في كل تلك التحليلات والإحصائيات والأرقام، رغم صحتها، وعبروا عنه بشعارات مثل “يسقط حكم المصرف”. وإن كانت الصحافة الغربية تحلل من أجل الوصول إلى حل قد يمنع الانهيار الكلي والفوضى الأشمل لاحقاً، فإن لبنان، والدول العربية كلها عموماً، وصلت إلى درجة من التآكل على مرّ السنين، لم يعد ممكناً معها تفادي تلك النتيجة أصلاً (واشنطن بوست).

اضف رد