الرئيسية / مقالات / “هستيريا”… وحاقدة!

“هستيريا”… وحاقدة!

مرت باللبنانيين ومروا هم بحقبات أشد قتامة بما لا يقاس مع الزمن الحالي خصوصا في جولات الحرب التي كانت واقعيا حروبا متعاقبة لا محور واحدا يربط بين فصولها التدميرية سوى انهيار الدولة وتفجر كل انواع الحروب على ارض لبنان. نقول ذلك بذعر من الهستيريا التي تنتاب الواقع السياسي والتعبيري السائد الى جانب الهبوط المريع في الخطاب السياسي والاعلامي الذي باتت من سماته الحملات والسجالات والشتائم المقذعة كأنها لغة اليوميات العادية التي لا يرف لها جفن ولا تقوم حيالها أي إجراءات او انتفاضات او موجات مناهضة لحماية ما تبقى من قيم واصول تندثر تباعا بشكل غير مسبوق. والحال انه في عز حقبات الحرب والقتال والصراعات الدامية لم يبلغ التفلت التعبيري حدود ابتذال موازية لتلك الحمم المقذعة التي تجتاح الشاشات او وسائل التواصل الاجتماعي الآن والتي أمحت معها التصنيفات التقليدية او كادت بين سياسيين وحزبيين وناشطين او مواطنين مستقلين باعتبار ان الالتزام الذي يملي على من يملك صفة مسؤولة التقيد بقواعد الاصول التعبيرية في حدود قصوى ودنيا يختلف لدى غير المسؤول ولو ان هذا الاختلاف لا يسوغ ان يظهر معظم اللبنانيين كأنهم خريجو سجون لا يتقنون سوى الشتيمة هوية مهينة ! الأسوأ في المشهد الحالي كما تصوره عينات من يوميات بلد يمتهن العيش في فراغ السلطة ذات المهابة حتى لو كانت لها انياب وأظافر ان الامر لا يقتصر على مهازل انكشاف نماذج سياسية وحزبية واعلامية وناشطين من فئات الهابطين والجهلة والشتامين بل ان الاخطر حقاً هو هذا التفجر المخيف لنبرات لدى بعضهم تستبطن حقدا عميقا يكاد ينضح بالفتنة لو قيض لأصحابه ان يطلقوا العنان لهذا المرض المعشعش في حناياهم. يتراءى لراصد الفوضى السياسية والإعلامية والاجتماعية والتعبيرية في الفترة المأزومة الحالية ان لبنان يذوي في فوضى هستيرية بكل ما للهستيريا من مضمون نفسي خطر ينطبق على الجماعات في كل مناطق لبنان بدءا من مركزها اي العاصمة التي باتت تعكس رمزية افتقاد الدولة في مشهد الفراغ والخواء السياسي المفتوح. في يوم واحد مثلا اندلعت حرب شائعات تطاول سفينة ناقلة مواش موبوءة واشعلت الموجة معارك كلامية بين وزراء أنداد ينتمون الى فريقين متناحرين تقليديا. وتزامنت السجالات والشائعات مع احتدام عنيف وشديد الحدة في سجالات على محور آخر فيما غرقت البلاد برمتها في ازمة “طارئة” تتصل بالعلاقة مع دولة خليجية عكست الهشاشة الخطيرة التي باتت عليها صورة لبنان بإزاء علاقاته الحيوية والجوهرية مع دول الخليج. بين هذه العينات المختلفة في فوضى المشهد الداخلي ترانا نتساءل فعلا عن جدوى هذا الخبث الذي يرمي عبره معظمنا تبعة الانهيارات والتراجعات والإخفاقات العامة على ما يسمى الدولة. فماذا حين نكتشف ونعترف بان هذه الدولة هي من هذا المواطن وانها النسخة الأصلية عنه؟ والا فكيف نبرر الهستيريا الجماعية التي نجد فيها المكان الأمثل لسياسي ومسؤول يتساوى ويتشابه مع مواطن يقذف حمم اللسان ومعها ما يتيسر من حمم الاحقاد؟

nabil.boumounsef@annahar.com.lb

اضف رد