الرئيسية / أخبار الاقتصاد / هذه ليست إلا البداية

هذه ليست إلا البداية

القرار الذي أعلنه الرئيس حسّان دياب حول عدم تسديد السندات المستحقّة ليس نهاية لمرحلة بقدر ما هو افتتاحٌ لمرحلة جديدة. مرحلة جديدة، أين منها ومن تعقيداتها وتحدّياتها كل الصعوبات التي واجهت لبنان في الأشهر الأربعة الأخيرة. هذا ما قاله الرئيس دياب، تقريبا، في بيان الاستنكاف عن التسديد الذي قال عنه: “هذه ليست إلا البداية”.

انصرفت الحكومة منذ لحظة تأليفها، كما قال رئيسها، إلى درس المعطيات والمعلومات والتقديرات والاحتمالات فوصلت الليل بالنهار، مستعينة بالخبراء والمستشارين، بما فيهم خبراء صندوق النقد الدولي. انتهت الجهود بالتوصّل إلى القرار السليم والطبيعي وهو عدم تسديد مستحقات التاسع من آذار، على قاعدة “مكرهٌ أخاك لا بطل”.

لكن القرار ليس كافيا، وهو لا يمنح الحكومة فترة راحة ولا حتى إجازة قصيرة. أقلّ ما يُقال في المهمّة التي تنتظر الدولة من الآن فصاعدا هي إعادة بناء اقتصاد مندثر.

المطلوب اتّخاذ قرارات سريعة تتعلّق بالنظام المالي والمصرفي لمنع تلاحق الانهيارات الكبرى والكوارث.

يجب تحديد الخيارات واتّخاذ القرارات في ما خصّ شطب جزء من الدين العام. ويأتي ذلك في إطار تظهير الصورة الحقيقية وإلغاء الأرقام الوهمية. فلا معنى أن تتضمّن ميزانية المصرف المركزي والمصارف ديونا على الدولة غير قابلة للتحصيل. ولا معنى لتضمين موجودات المصارف ايداعات بالعملات الأجنبية لدى مصرف لبنان لم تعد موجودة في العالم الحقيقي. لقد استُعملت بطريقة غير مشروعة، فجرفها سيل التحويلات إلى الخارج وعمليات الخروج من الليرة اللبنانية في السنوات الخمس الأخيرة.

تصحيح الأرقام يتطلب إلغاء الديون الهالكة على الدولة، وهذا يساعد على تحسين الموازنة عن طريق تحقيق وفر في اعتمادات خدمة الدين العام واستبدالها بزيادة نفقات الاستثمار. القرار الشجاع في هذا الاتّجاه قد يصدم المودعين الذين سيتحمّلون في نهاية المطاف جزءا من الخسارة. وهذا ليس تبرّعا من جانبهم لدعم الحلّ، بل ترجمة للواقع لأن جزءا لا يستهان به من ودائعهم لم يعد موجودا، لا في مصارفهم ولا في خزائن البنك المركزي.

ولأن هذا الإجراء يمسّ حقوق المدّخرين فلا بدّ من أن يستجرّ اعتراضات منهم. إنه بالتالي محكّ لشجاعة الدولة، برلمانا وحكومة، وامتحان لصدق نياتها وتصميمها على إخراج النظام المصرفي من عنق الزجاجة.

من شأن هذا الإجراء تحسين موازنة الدولة وميزانيات المصارف ومصرف لبنان، معا، لكنه ليس كافيا لإطلاق الاقتصاد الراكد أو الغاء القيود على حركة الودائع. تحرير الودائع بات مرتبطا بإنعاش الاقتصاد وتشجيع المتمولين غير المقيمين على استئناف إرسال أموالهم النقدية إلى النظام المصرفي اللبناني.

من هنا فإن المهمّة المركزية تبقى في وضع الخطّة الاقتصادية التي كثر الحديث عنها والتي تهدف، من جهة، إلى إحياء النشاط الاقتصادي وخلق الوظائف والحدّ من الفقر، ومن جهة ثانية، وبالتزامن، تحسين تدريجي للمالية العامّة في إطار خطة موزّعة على خمس سنوات.

يُنتظر من الدولة أن تعدّ وتسرع في تنفيذ الخطتين معا. فلم يعد ممكنا، في ظروف لبنان الاستثنائية، تأجيل الإصلاح المالي بانتظار تنشيط الاقتصاد أو تأجيل توليد النموّ الاقتصادي بانتظار ردم العجز ولجم تعاظم الدين العام.

وهنا تظهر إحدى أهمّ الإشكاليات الكامنة وراء الأزمة الراهنة. إذا كان لبنان جادّا في الإصلاح فهو لا يستطيع انجازه من دون مساعدة خارجية، خصوصا مساعدة صندوق النقد الدولي في تأمين موارد مالية هو بأمسّ الحاجة إليها في أزمة السيولة الراهنة. في ظل النزاع الأميركي – الإيراني من الطبيعي أن يتحفّظ “حزب الله” عن التعاون مع الصندوق، وربما ستتحفّظ الولايات المتحدة أكثر عن دعم دولة لبنانية واقعة تحت سيطرة “حزب الله”.

وهكذا تضاف إلى المهمات الاقتصادية الصعبة التي تواجهها الحكومة مهمّة سياسية، هي إخراج البرنامج المحتمل مع صندوق النقد الدولي بطريقة توافق عليها الولايات المتّحدة ولا يرفضها “حزب الله”.

اضف رد