هذه بعض تصوّرات “حزب الله” لمآلات مرحلة ما بعد الحراك وهكذا سيواجه

غضب الشارع (نبيل إسماعيل).

خلال الساعات الـ24 الاولى لانطلاق الحراك الاحتجاجي في الشارع، ظهر الامين العام لـ”حزب الله” مطلقاً مواقف نوعية وجليّة سارع البعض الى اعتبارها خريطة طريق للخروج من الازمة التي وجدت البلاد نفسها تراوح فيها منذ ليل الخميس الماضي، بينما أدرجها البعض الآخر في خانة الاجراء الوقائي بغية درء مخاطر ما هو آتٍ ولا ريب بفعل الاتساع المرتقب لرقعة هذا الحراك وتجذّره في الشارع واستعصائه على كل اجراءات الترهيب والترغيب التي يمكن ان يتعرض لها.

لكن في كلا الحالين، بدا واضحاً ان سيد الحزب الذي تتجه اليه الانظار في الملمّات والمراحل المفصلية، إنما يعكس في خطابه المدروس بدقة استشعاراً مبكراً لاندلاع الازمة واتساع نطاقها.

الخطاب أعطى ما لقيصر لقيصر وما لله لله، عندما اعطى المشروعية لمطالب الناس وحراكها، وعندما، في المقابل، دعا المشاركين في الحراك الى اعتبار ان رسالتهم وصلت الى أذهان مَن يتعيّن ان تصل اليهم، اي الطبقة السياسية التي بات عليها الشروع فوراً في بحث جاد عن حلول، والى التأكيد ان اسقاط الحكومة الحالية أمر لا مصلحة فيه الآن، لان بديلها متعذِّر، وان اسقاط العهد امر مرفوض قطعياً، وان على المراهنين على ذلك ان يعيدوا النظر في حساباتهم.

والأبعد من ذلك، ان نصرالله ترك باب الاحتمالات مفتوحاً عندما اعلن صراحة ان الحزب لم يوعز الى قاعدته بالمشاركة في الحراك، ولكن اذا اضطره تطور الاوضاع ونزل الى الشارع، فساعتئذ لن يخرج إلا اذا ضمن حدوث تحوّل في عمق المشهد.

وعليه، فان العارفين ببواطن الامور في عقل الحزب انطلقوا على الفور في قراءة دقيقة لما انطوى عليه هذا الخطاب، فكانوا امام الاستنتاجات الآتية:

– ان الحزب ليس في وارد ترك الامور على عواهنها، وانه سيكون له امام كل مقام مقال.

– ان الحزب استشعر منذ فترة هذه اللحظة، لاسيما وقد حذَّر بلسان سيده واكثر من رمز من رموزه من التداعيات السلبية للعجز عن الاصلاح والقصور عن جبه الفساد والهدر.

– ان الحزب قد حسم خياراته وأفصح عنها، فهو في موقف الدفاع الشرس عن الدولة مع عِلمه انه سيتحمل تبعات مثل هذا الموقف الشاق.

– تدرك الدوائر المعنية داخل الحزب يقيناً ان ثمة مَن هو متحفز من خصوم الحزب واعدائه للدخول على خط الحراك الجاري بغية توظيفه لمآرب وغايات سياسية، وبغية تصفية حسابات قديمة معه، إلا انه قرر ضمناً ألّا يبدو اطلاقاً في موقف الهجوم على الحراك او معاداته او حتى توجيه اصابع الاتهام اليه، بل ان إعلامه يبدي تعاطفاً مع مطالب هذا الشارع المتحرك، واستطراداً مع وجعه وصرخته.

– لا يكتم الحزب انه صار في طور التنسيق التام في كل خطواته مع الرئيس سعد الحريري، وابداء الاستعداد لتوفير كل سبل ديمومته في دست الحكم في موازاة التمسك بالعلاقة المميزة مع العهد وسيده، فهم بالتكافل والتضامن مع حركة “امل” صاروا رباعياً وقعت عليه اعباء التصدي للوضع والعمل على تلافي الانهيار.

– استعداد الحزب للانفتاح على كل الاجراءات الاصلاحية التي يتعين على الرئيس الحريري طرحها بغية الخروج من عنق زجاجة الازمة واعادة الامور الى طبيعتها.

وعليه، فان الحزب ينتظر مبدئياً ان تخرج رزمة الاصلاحات التي قدمها الرئيس الحريري ويفترض أنها نالت تأييداً من غالبية قوى الحكم، الى النور لتكون بمثابة انتصار تحقق تحت وطأة ضغط الشارع وحراكه، وإن كان التقويم الاوّلي ان ذلك الانجاز سيجد مَن يعترض عليه في الشارع المحتج ولا يتجاوب معه، مما سيفضي لاحقاً الى انقسامه والى بداية إضعافه، خصوصاً ان ثمة مَن بدأ يبدي تململاً من استمرار هذا الحراك ومن آثاره السلبية على دورة حياة الناس. وهذا لا يمكن ان يعدّ نوعاً من قهر لارادة الشريحة المعترضة في الشارع بقدر ما هو مكسب تحقق وفتح الباب امام اصلاحات سيتعين على القوى المشاركة في الحكم تقديمها طوعاً أو قسراً، ومن ثم التعامل بشكل جدي مع شعار الاصلاح ووقف الفساد والهدر، وهو ايضا سيكون نوعاً من كبح جماح غلاة الحراك الذين رفعوا شعارات قصوى لا يمكن تحقيقها إلا ضمن سياق تطور تدريجي.

وبقطع النظر عن مآلات الحراك ونهاياته المحتملة، فان ما بعد الحراك غير ما قبله، فهو في حد ذاته طي لصفحة مضت وفتح لصفحة اخرى في المشهد السياسي العام حيث ثمة إضعاف تلقائي لقوى خالت نفسها ضامنة لوضعها ومؤبّدة لهيمنتها، وهي بذا فُرِض عليها التراجع ومن ثم اعادة النظر في كل مسيرتها ومسارها ومضامين خطابها ورهاناتها.

وفي كل الاحوال، يلمس المتصلون بدوائر القرار في الحزب اطمئناناً ضمنياً الى ان الامور وإن بلغت خلال الايام الخمسة الأخيرة هذا الحجم من التطور الذي بدت فيه الكلمة الفصل للشارع الملتهب، إلا ان الامور في نهاية المطاف ستبقى تحت السيطرة ، خصوصاً ان الكل مضطر الى الانخراط عاجلاً أم آجلاً في لعبة الاستيعاب والمعالجة، لان أحداً لا يمكنه اعلان الاستقالة من المسؤولية وادارة الظهر، وإن حاول البعض المناورة والاستفادة من حراجة الوضع لتعزيز اوراقه وتصفية بعض حساباته مع مَن يدرجهم في خانة الخصوم.

ومهما يكن من أمر، فان لدى الدوائر المعنية في الحزب استنتاجاً لا تسقطه اطلاقاً، وهو ان الحزب سبق له ان واجه مثل هذا الوضع واصعب بكثير، لكنه نجح بعد وقت قصير في استيعاب مفاعيل الهجمة الشرسة عليه وفي تبديل مسار الامور لاحقاً لمصلحته.

brahim.bayram@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*