الرئيسية / مقالات / هذا هو “قانون الجوع”

هذا هو “قانون الجوع”

الدكتور والحاكم، لوحة لمنصور الهبر.

قرأتُ ملخّصًا شافيًا وافيًا للموقف الذي أدلى به “الحاكم”. وكنتُ قرأتُ قبل أيّام، الحديث الذي أدلى به رئيس حكومة لبنان في الشأن الماليّ – الاقتصادي – الاجتماعيّ نفسه.

السلطة تتّهم الحاكم. الحاكم يردّ التهمة. لكنّ الشعب جائع.

إذا لم يكن لدى هذين الرجلَين سوى هذين الموقفَين – الجوابَين، لرفع غائلة الجوع، فليذهبا إلى الجحيم.

وسيذهبان، في غمرة الغضب الجائع إلى رغيف الخبز. ومعهما سيذهب كلّ مَن ينتمى بصلة قربى إلى هذه السلطة الوخيمة.

لكنْ، على سبيل الاستئناس، يمكنني أنْ أجري استطلاعًا للرأي، لدى عيّنةٍ عشوائيّةٍ من ألف مواطن، من أعمارٍ، ومناطق مختلفة، لاستخلاص ما يمكن أنْ يستخلصوه من الحديثَين الآنفَين، حديث الدكتور وحديث الحاكم.

سأخرج – افتراضيًّا – من الاستطلاع بنتيجةٍ لا نقاش فيها، ولا غبار عليها: الشعب جائع، والأسعار إلى ارتفاع، والغضب إلى انفلات، والانفلات إلى فوضى، والفوضى إلى عنف، والعنف إلى دم.

أمام هذا الوصف الاستخلاصيّ، إلى مَن نلتجئ؟ الجواب: “ما في حدا”. إلى لا أحد.

لا رئيس الجمهوريّة، لا رئيس مجلس النوّاب، لا رئيس الحكومة، لا الوزراء، لا النوّاب، لا حاكم المصرف المركزيّ، لا نوّاب الحاكم، لا المصارف، لا القضاء، ولا الجيش طبعًا، يمكنهم أنْ يفعلوا شيئًا لهذا الشعب الجائع، أو أنْ يردّوا إليه حقوقه، و… كرامة العيش.

أتحدّى أيًّا كان – على رغم أنّي أكره في النقاش عباراتٍ ومواقفَ من مثل هذه العبارة والموقف (أتحدّى) – أنْ يعد هذا الشعب الجائع بالاطمئنان إلى يومه. فكيف إلى غده!

وجبات غذائيّة، و400 ألف ليرة. هذا كلّ ما استطاع أنْ “يجود” به هؤلاء المذكورون آنفًا.

والنتيجة؟ الشعب جائع. وسيجوع أكثر.

وها أنا أسمع في أعماقي صوتًا جماعيًّا واحدًا، هو صوت أهل السلطة، الحاليّين والسابقين، ردًّا “صادقًا” على “قانون الجوع” هذا: ستّين سنة. فليمت هذا الشعب جوعًا وذلًّا.

لو أنّ الموضوع ينتهي هنا، لكانت الدنيا يُحتمَل أنْ تظلّ بألف خير.

كلّا. لن ينتهي الموضوع هنا. ولن تكون الدنيا بألف خير.

أرفض اللجوء إلى الفوضى. وأرفض اللجوء إلى العنف.

لكنّي أسمع الشعب يصرخ في وجهي، مؤنّبًا، شاتمًا، وهو مقيمٌ في جهنّم الجوع والذلّ، أي في أسفل الهاوية: ستّين سنة عليك وعلى رفضكَ الفوضى والعنف. عليَّ وعلى أعدائي، سيقول هذا الشعب.

هذا الشعب أسمعه، في الحقيقة، يردّ عليَّ بكلامٍ بذيء (معه حقّ)، لا بالكلام “الملطّف” أعلاه. لكنّي أحوّر، باللفظ فقط، موقف الشعب، تفاديًا لاستخدام الشتائم من الزنّار نزولًا.

“أبشّر” هذه السلطة القائمة، برؤسائها والحاكم، مثلما “أبشّر” السلطات السابقة وجميع مَن ينتمي إليها في العلن والسرّ، بشرٍّ مستطير، تتحمّل هي وحدها (أي السلطات) مسؤوليّته.

هذا الشرّ المستطير، لن ينفع معه بيانٌ لدكتورٍ من هنا، ولحاكمٍ من هناك.

المسؤولون فينا، الحاليّون والسابقون، جميعهم، ومَن يقف مع هؤلاء وأولئك، لا يستحقّون أنْ تدوس نعالهم هذه الأرض. فهل يستحقّون أنْ يقبضوا على روح هذه البلاد؟!

أحذّر هؤلاء المسؤولين: ستندمون كثيرًا، أيّها المسؤولون، عندما يطلع عليكم الضوء قريبًا، وقد قُذِفتم، والبلاد، في نار الفوضى والعنف التي تلتهم الجميع.

ولن يبقى شيءٌ إلّا محروقًا.

ولن يبقى بومٌ لينعب فوق الحريق هذا.

ألجأ إلى الشعر لأقول إنّ ما ينتظرنا هو “الأرض الخراب”، أو “الأرض اليباب” (للشاعر الإنكليزيّ ت. س. إليوت). لا فرق.

تذكّروني جيّدًا، أنا الذي يرفض اللجوء إلى الفوضى والعنف:

مَن لا موقف عنده إلّا موقف هذا الدكتور أو موقف هذا الحاكم، فليتحمّل النتيجة والمصير: النار التي لا تُبقي ولا تُذِر.

هذا هو “قانون الجوع”. والسلام.

Akl.awit@annahar.com.lb

اضف رد