هذا ما يبقى من أحمد شوقي بعد 150 عاماً على ولادته

سليمان بختي
النهار
27122018

ماذا يبقى من أحمد شوقي أمير الشعراء (1868 – 1932) في مرور 150 عاماً على ولادته؟ لا تزال صورته المنعكسة علينا من القرن الماضي حاضرة في ذاكرتنا وفي الكتب، وخصوصاً تلك الشهيرة الملتقطة له بالبابيون ويده تسند رأسه. محبته للبنان وشعراء لبنان ونسيم لبنان وقصيدة “جارة الوادي” التي أنشدها صديقه الأثير محمد عبد الوهاب وغنّتها فيروز ونور الهدى وعبد الهادي بلخياط، وأيضاً تمثاله الشهير على مدخل كازينو عرابي في الوادي في زحلة، تمثاله في الدقي في القاهرة، وتمثال آخر في روما، وكذلك علاقته المميزة مع جماعة “المكشوف” وقصته المحيّرة مع أمين نخلة.

لا ريب في أن شهرته بلغت الذرى في قصائده الغنائية مع محمد عبد الوهاب وهي كثيرة وأثيرة وبلغت نحو ثلاثين ومنها: “يا ناعماً رقدت جفونه” و”مضناك جفاه مرقده” و”منك يا هاجر دائي” و”انا انطونيو” و”بلبل حيران” و”سجى الليل” و”خدعوها بقولهم حسناء” و”جارة الوادي” و”مجنون ليلى” و”علّموه كيف يجفو” و”تلفتت ظبية الوادي” و”دمشق” و”السودان” و”مقادير من جفنيك” وغيرها. غنت ام كلثوم عشر قصائد من كلماته والحان السنباطي، نذكر منها “ولد الهدى” و”سلوا قلبي” و”ريم على القاع” و”النيل”. وغنت له أسمهان “هل تيم البان” وعبد الغني السيد “روحي فداه” وغنّى له كاظم الساهر بيتين من “مال واحتجب” .

ولد أحمد بن علي بن أحمد شوقي في حي الحنفي في القاهرة العام 1868، وثمة مصادر تشير الى أن أباه من اصول كردية وامه من اصول تركية وشركسية. التحق بقسم الترجمة في مدرسة الحقوق ولفتت موهبته استاذه محمد البسيوني. أرسله الخديوي توفيق الى فرنسا فتأثر بالثقافة الفرنسية وخصوصاً بأدب راسين وموليير، الا أن قلبه لبث معلقاً بالثقافة العربية وشاعرها العظيم المتنبي. ولبثت أغلب قصائده تصب في المديح والمناسبات نحو الخديوي عباس. نفاه الانكليز الى اسبانيا في العام 1915 الأمر الذي وفّر له الاطلاع على الآداب الاوروبية. ظهر في شعره المكتوب في اسبانيا انعطافاً وتفاعلاً مع الحركات الشعبية والتحررية الوطنية. وحين عاد من اسبانيا تفاعل أكثر مع الشعب في كفاحه لأجل الحرية وضعفت حماسته للاتراك والخلافة وراح يدعو الى الاخوة العربية. وتدفقت قصائده في الشام ولبنان والسودان ودنيا العرب. والحال، ان شوقي لم يترك مناسبة تعتب عليه وكان حاضراً ناظراً مع الاحداث والمناسبات والرثاء كما في رثاء جدته والرافعي ومصطفى كامل وفردي وتولستوي ونابوليون وفيكتور هوغو.

في العام 1927 بايعه الشعراء العرب اميراً للشعراء وتجاوز انتاجه 23500 بيت. وبقدر ما أعطته امارة الشعر فقد عرضته للهجوم. هاجمه عباس محمود العقاد واعتبر شعره فاتراً وانه شعر صنعة وهاجمه طه حسين في كتابه “حافظ وشوقي” واكتفى شوقي بأن قال لمحمد حسين هيكل باشا ماذا يريد صاحبك بهجومه عليّ وكان يقصد طه حسين: “يريد ان يهدمني؟ قل له انني مجد تكون، ولا سبيل الى تحقيق ذلك”. اما شوقي ضيف فاعتبره “ألمع شاعر في أدبنا الحديث لتعداد نواحيه الفنية”. وقال عنه خليل مطران: “انه نظم شوقي وذلك شعر العبقرية والتفوق”.

يبقى ان ثمة نقاط قوة في شوقي، ثقافته وحفظ المعاجم والتاريخ وحسه اللغوي المرهف وغنائيته الموقعة وبديهته الفياضة وانفتاحه على آداب الغرب في فرنسا واسبانيا. ولا ينسى المرء تلك اللقطات في شعره مثل جذبتني ثوبي العصي وقالت/ انتم الناس ايها الشعراء، او اتراها نسيت اسمي لما/ كثرت في غرامها الاسماء، او خدعوها بقولهم حسناء/ والغواني تغرهن الثناء، او لم ادر ما طيب العناق على الهوى/ حتى ترفق ساعدي فطواك، او في التوق الى الحرية كما في قصيدة “دمشق” وللحرية الحمراء باب/ بكل يد مضرجة يدق.

وبعد، هل كان أحمد شوقي مكثاراً في شعره، والمكثار لا يسلم من العثار؟ او لعله كما وصف الاصمعي شعر ابي العتاهية “كساحة الملوك يقع فيها الخزف والذهب”.

ظل شوقي محل تقدير الناس ومحبتهم حتى فاجأه الموت بعد فراغه من نظم قصيدة طويلة يحيي فيها مشروع القرش الذي نهض به شباب مصر وتوفي في 14 تشرين الاول 1932. ولكن هل يموت الشعراء؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*