الرئيسية / مقالات / هذا ما كان يريده “حزب الله”: بلوغ موقع الحكم دستوريا؟

هذا ما كان يريده “حزب الله”: بلوغ موقع الحكم دستوريا؟

من التحركات الشعبية في الزوق (تصوير مارك فياض).

في هذه الحلقة التي نصل فيها الى ختام معطيات الشخصية السياسية اللبنانية البارزة ، التي تعيش حاليا في الخارج بعيدة عن الاضواء. السبب المباشر لهذه الحلقات كان كتابة ما لم ينشر من قبل عن نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام الذي توفي في نهاية آذار الماضي في منفاه الباريسي. لكن الصورة الكاملة التي ارادت ان ترسمها معطيات هذه الشخصية وصلت الى موقع “حزب الله” الذي كان على إمتداد عقود منذ ثمانينات القرن الماضي في قلب الاحداث في لبنان والمنطقة.

ماذا يمكن أن تقدمه الشخصية اللبنانية من معطيات يمكن القول انها جديدة في مقاربة ملف الحزب؟

جوابا على هذا السؤال، يقول مصدر هذه المعطيات: طوال مسيرة “حزب الله” في لبنان التي أطلقتها الجمهورية الاسلامية الايرانية بعد نشوئها عام 1979 ، كان الموقف الرسمي لقادة الحزب هو انه لا يريد لنفسه شيئا في لبنان سوى حرية العمل المقاوم ضد إسرائيل.وعلى رغم ان الاحتلال الاسرائيلي للاراضي اللبنانية إنتهى عام 2000 تطبيقا لقرار مجلس الامن الدولي الرقم 425 ، فإن ذلك لم يؤد على إمتداد 20 عاما الى إنهاء وظيفة “حزب الله” المسلحة.والفضل في ذلك يعود الى ملف مزارع شبعا المحتلة الذي جرى تجهيزه على عجل في عام الانسحاب الاسرائيلي.

لكن السؤال الذي تردد منذ ذلك التاريخ:هل يريد “حزب الله” ومن خلفه راعيه الاقليمي إيران الاكتفاء بالدور المقاوم للحزب كما هو معلن أم ان هناك غايات أخرى؟

تستعيد الشخصية اللبنانية إنخراط “حزب الله” في الحياة السياسية في هذا البلد منذ مطلع التسعينيات من القرن الماضي .فبعدما إنطلق قطار إتفاق الطائف وبدأت عملية بناء المؤسسات إنطلاقا من الدستور المعدّل بموجب هذا الاتفاق ، صدرت الفتاوى في بيروت وطهران تدعو الى مشاركة الحزب بكل عزم في الانتخابات النيابية بدءا من اول مرة جرت عام 1992 .وبالفعل إنخرط الحزب في العمل النيابي منذ ذلك العام من دون توقف حتى يومنا هذا ،فأكتسب تدريجيا قوة أصبحت في البرلمان الحالي التي جاء بعد إنتخابات عام 2018 نافذة بشكل لم يسبق لها مثيل.وأعادت هذه الشخصية الى الاذهان الموقف الذي أعلنه القائد السابق للحرس الثوري الايراني الجنرال قاسم سليماني الذي إعتبر فوز “حزب الله” في تلك الانتخابات بالانتصار الكبير الذي نقل الحزب من حركة مقاومة الى “حكومة مقاومة”. وقال:”النتيجة كانت أنّه في بيروت، وللمرة الأولى في تاريخ لبنان، فازت شخصية منسوبة لـ”حزب الله” وهي شيعيّة، كما اكتسب بعض من يسمّونهم “عملاء إيران” أصواتًا تفوق نسبة أصوات مرشّحين آخرين.واشار سليماني الى أن حزب الله فاز للمرّة الأولى بـ74 صوتًا في البرلمان من أصل 128 مقعدًا.

هل دخل “حزب الله” مرحلة جديدة من مسيرته اللبنانية التي إنطلقت في بداية العام 1983 ؟وكيف سيتم ترجمة كلام الجنرال الايراني الراحل بقوله ان الحزب إنتقل من “حركة مقاومة” الى “حكومة مقاومة”؟

في إعتقاد الشخصية اللبنانية الراسخ والمدعوم بشواهد ، أن “حزب الله” بدأ منذ أعوام مدفوعا بطلب إيراني العمل على تأسيس واقع دستوري وقانوني يجعله في منأى عن تقلبات الاحوال التي ربما تؤدي الى ضياع كل المكتسبات التي راكمها منذ عقود.ولن يكون الحزب في هذا التفكير مختلفا عن سواه من الدول والقوى التي سبقته على مسرح الاحداث في لبنان في التاريخ المعاصر.فمن منظمة التحرير الفلسطينية التي نالت عام 1969 إتفاق القاهرة، الى حافظ الاسد الذي نال القرار العربي بالدخول الى لبنان عام 1976، الى بشير الجميل الذي فاز بمنصب رئاسة الجمهورية عام 1982 ،الى إسرائيل التي أبرمت إتفاق 17 أيار عام 1983 ،لنصل الى “حزب الله” الذي يريد أمرا لم يفصح عنه حتى اليوم.فما هو يا ترى هذا الامر؟

تستعيد الشخصية وقائع حوار بين مسؤول إعلامي إيراني زار لبنان بعد إحداث أيار عام 2008 والتقى خلال زيارته وزيرا سابقا لا يزال فاعلا في الحياة السياسية حتى الان. في اللقاء الذي تم بين الرجليّن سأل الزائر الايراني مضيفه اللبناني:”كيف ترى إمكانية ان يحكم السيد نصرالله لبنان؟”

بالطبع لم يسمع المسؤول الاعلامي الايراني الجواب الذي يريده من الوزير السابق الذي نبّه ضيفه الى ان تاريخ لبنان لم يعرف إن حزبا حاول حكم لبنان ونجح .لكن المهم ، كما قال الوزير السابق في لقاءات لاحقة ، ان جوابه لم يكن هو المهم بل كان المهم هو لماذا حمله ضيفه هذا السؤال من طهران الى بيروت؟

في سياق إطلالتها على سلسلة من التجارب التي لم يحالفها الحظ في ترسيخ ميزان قوى دائم ، تروي الشخصية اللبنانية تجربة الزعيم اللبناني كمال جنبلاط الذي تحوّل في العقد الاخير من حياته التي إنتهت بالاغتيال عام 1977 الى شخصية مرموقة عربيا ودوليا. وفي مرحلة صعود جنبلاط وكان الى جانبه القائدان الشيوعيّان جورج حاوي ومحسن ابرهيم ، جرى نقاش حول كيفية تحويل المكاسب التي تراكمت من خلال قيادة الزعيم الاشتراكي للحركة الوطنية التي بلغت مستوى من النفوذ لا يستهان به.فتوصل البحث الى ضرورة تعديل الدستور الذي يسمح بتخطي التراتبية على المستوى الرئاسي والتي تحصر رئاسة الجمهورية بالموارنة ورئاسة مجلس النواب بالشيعة ورئاسة الحكومة بالسنّة.وهذه التراتبية ،كانت ولا تزال جوهر تكوين الحكم اللبناني منذ العام 1943 وحتى الان.غير ان خروج لبنان عما درج عليه منذ الاستقلال حتى اليوم ،ليس بالحدث الجديد .فقد عاش لبنان منذ إعلانه كبيرا عام 1920 على يد الفرنسيين تجارب أتت الى رئاسة البلاد بشخصيات غير مارونية مثل: شارل دباس الاورثوذكسي المنتخب (1 أيلول 1926 -2 كانون الثاني 1934)،أيوب ثابت البروتستانتي المعيّن (19 آذار 1943 -21 تموز 1943 )، وبيترو طراد الأرثوذكسي المعيّن (22 تموز 1943 –30 أيلول 1943 )،الى ان إستقر العرف نهائيا على ان يكون رئيس الجمهورية مارونيا.وخلال البحث في الدائرة المحيطة بجنبلاط جرى التوصل الى تصور يقضي بإنهاء التعامل على مستوى المذاهب التي يجري من خلاله إعتبار الطائفة المسيحية تتألف من موارنة وأرثوذكس وكاثوليك وغيرها فينال كل مذهب ما يناسب حجمه.وينطبق الامر نفسه على الطائفة الاسلامية التي تتوزع بين شيعة وسنّة ودروز وغيرها.وبعد تجاوز قاعدة المذاهب يصبح التعامل مع طائفتيّن فقط هما: المسيحية والاسلامية.فيأتي عندئذ رئيس مسيحي الى رئاسة الجمهورية بغض النظر عن مذهبه ويأتي رئيس لمجلس النواب او الحكومة بغض النظر عن مذهب أيّ منهما. وهكذا يصبح بإمكان إسناد المناصب الكبرى في الدولة لمن هم أكفياء لها في طوائفهم بصرف النظر عن مذاهبهم.

لم يصل كمال جنبلاط الى مبتغاه.وبقيّ نفوذ الدروز الذي ينتسب اليهم جنبلاط محكوما بعدد أتباع هذا المذهب الذين يمثلون أقلية صغرى ضمن المسلمين في هذا البلد ، علما ان كمال جنبلاط تمتع بحجم تفوّق في عز صعوده على سائر الزعماء المسلمين في زمنه.

وتصل الشخصية اللبنانية الى “حزب الله” وأمينه العام نصرالله.فتقول ان النظرة الموضوعية الى احجام زعماء لبنان اليوم ، تؤكد بلا جدال ، ان نصرالله هو الزعيم الاول لا يضاهيه احد على هذا المستوى.لكن هذا الواقع لا ترجمة له فعلية على مستوى السلطة.فلو جرى الافتراض مثلا ان الامين العام للحزب حضر مناسبة عامة اليوم ، فسيجلس حكما في مكان بعيدا عن الصف الاول الاول للرؤساء.

ما تقوله الشخصية اللبنانية في واقع “حزب الله” اليوم له أصداء في الاروقة المحيطة بالحزب.وتلفت الانتباه الى ان ما نشر ولا يزال بما يتصل ب”المؤتمر التأسيسي” لم يأت من فراغ.ولذلك ،من المتوقع ان يبقى موضوع منح الحزب موقعا أساسيا على مستوى أعلى الهرم في حكم لبنان مطروحا مهما تبدّلت الظروف وتنوّعت المسمّيات.

هل من أفكار محددة تتصل بما ينشده “حزب الله” على مستوى الحكم في لبنان؟

في معلومات الشخصية اللبنانية ان هناك تداولا لفكرة تعديل الدستور يقضي بإستحداث منصب نائب رئيس للجمهورية يكون من الحصة الشيعية إضافة الى بقاء رئاسة البرلمان من حصة الشيعة أيضا.وبهذه الطريقة تصل الثنائية الشيعية الى وضع ينال كل من مكوناتها ما يستحقه من نفوذ.

كيف تتحول الافكار الى وقائع؟الجواب مرهون بالاتي من الزمن ليحكم لها أو عليها.

ahmad.ayash@annahar.com.lb

اضف رد