الرئيسية / home slide / هذا السيرك اللبنانيّ المأسويّ العظيم

هذا السيرك اللبنانيّ المأسويّ العظيم

04-01-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

عقل العويط

عقل العويط

Bookmark
أضف للمفضلة
سيرك (لوحة لمنصور الهبر).

إنّه زمن التخرّصات والأكاذيب النهائيّة. وهو أيضًا زمن الرهانات القاتلة، حيث لا أنصاف ربحٍ ولا أنصاف خسارة. فانتبِهوا. واستعِدّوا.

لقد اقترب استحقاق الاستحقاقات، وآن أوان الامتحانات. لذا، ستُفتَعَل معارك استعراضيّة خادعة وفارغة (من الخرطوش الحيّ)، وربّما فعليّة، وسيُذَرُّ رمادٌ كثيرٌ، وستُصاب عيونٌ وعقولٌ كثيرةٌ بالعمى بالعماء. فليخترْ كلٌّ موقعَه. فليعرفْ كلٌّ حجمَه. ولينبرِ كلٌّ إلى دوره.

ولأنّ اللعبة مكشوفةٌ أو مستورةٌ – سيّان – فسترتفع عقيرة الرهانات والألاعيب والبهلوانيّات والتحدّيات. وستصل المبالغات (والصولدات) إلى الحدود القصوى إلى اللّارجوع (ظاهريًّا، ولِم لا باطنيًّا). من أجل ذلك، سيبيّض كُثُرٌ صفحاتهم، وسينبطح منبطحون، وسيكابر مكابرون، وسيكذب كاذبون، وستتمرّغ جباهٌ رخيصةٌ بالمياه الآسنة بمراحيض الذلّ والذمّيّة والهوان. في هذا المعنى، سيفرّخ أنبياء كَذَبَة، و”مخلِّصون” كَذَبَة، وسيتمّ التبشير بأكثر من مسيحٍ دجّال، وستنطلي الحِيَل على كثيرين، وسينخدع كثيرون، وسيزداد غباء كثيرين، وسخافة كثيرين. لكنّ الأقنعة ستنكشف، والوجوه ستنكشف، لمَن يريد أنْ يُعمِل عقله ويرى الأقنعة والوجوه على حقيقتها.

لقد استمعتم أمس، أوّل من أمس، وأوّل أوّل من أمس، إلى رسائل كثيرة، وخطب كثيرة، وترّهات كثيرة، ومُعمّيات كثيرة. ستستمعون اليوم، وغدًا، وبعد غد، إلى الأكثر والأفدح والأشدّ صفاقةً وعجرفةً واستعلاءً من تلك التي استمعتم إليها، وسيتسعدن كثيرون، وسيتباله كثيرون، وسيصدّق كثيرون، وقد تصطكّ ركَب كثيرين، وسيرضخ كثيرون، وسيبحث كثيرون عن إعادات تأهيل، وعن برمجاتٍ حقيرةٍ خبيثة، وعن تدوير زوايا، وعن رتق أغشية بكاراتٍ ممزّقة، وعن اصطناع أقنعةٍ مستحدثة، وعن افتعال تحالفاتٍ واصطفافاتٍ متذاكية، وعن قفزاتٍ بهلوانيّة في السيرك ال#لبنانيّ الأشمّ، وعن انتقالاتٍ ظاهريّة من ضفّةٍ إلى ضفّة.

هذا كلّه، وغيره، سيكون مسرحه السياسيّ والوجوديّ هنا والآن، وستدوّي صفّارات البداية، بداية اللعبة الماكرة الجديدة، من هنا ومن الآن وصاعدًا. فتنبّهوا. واستعِدّوا… لتمكروا. يجب أنْ تمكروا بالماكرين.

وبعد، سأفترض أن السنة 2022 هي سنة المواعيد والاستحقاقات الدوليّة والإقليميّة والمحلّيّة. سأفترض أنّ الوجود الجيوسياسيّ اللبنانيّ سيكون على الطاولة، إلى الطاولة. سأفترض أنّ الكباش الكونيّ الإقليميّ إمّا سيصل إلى تسوية في هذا الشأن وإمّا إلى انفراط التسوية. سأفترض في الحالتين أنّ لبنان سيكون جزءًا من “الوليمة” الاستئثاريّة الجشعة، من مأكولات الطاولة التي يجلس إليها الطغاة والأباطرة ومصّاصو الدماء وعاقدو التفاهمات القديمة والمستجدّة والمتحوّرة. سأفترض أنّ المصالح الكبرى التي يديرها هؤلاء لن تفرّط بالمصالح الكبرى. سأفترض أيضًا أنّ الانتخابات النيابيّة ستُجرى – افتراضيًّا – في موعدها، وأنّ الوحوش المنخرطين فيها لن يأكل بعضهم بعضًا، بل سيتفاهمون على التنازل والتغاضي والتقاسم والقسمة، مؤدّين الأدوار البهلوانيّة الجاري عرضها على التوالي، يومًا هنا، ويومًا هناك، يومًا بلسان هذا، ويومًا بلسان ذاك، في السيرك، على هذا المسرح السياسيّ المنتن. وقد أفترض افتراضًا أنّ المصالح لا تتلاقى ظاهريًّا (ولن تتلاقى افتراضيًّا)، وأنّ الطاولة ستُقلَب، ومنها طاولة التقاسمات والتحالفات والانتخابات – ولِمَ لا الطاولة الأمنيّة -، لأنّ الرياح قد تكون معاكسة، والمياه قد لا تجري في مجاريها.

سأفترض هذا كلّه، وغيره، ممّا تتفتّق به العبقريّات الجهنّمية (وما أكثرها) فماذا أعددتم (هل من ضرورة لتسميتكم بالأسماء؟) لمواجهة هذا المكر الأعظم؟ لفضح أقنعته ووجوهه وأبطاله وكومبارساته؟ ماذا أعددتم للتعامل (بـ”الأسلحة” العقلانيّة الواعية المناسبة) مع هذه الاحتمالات؟ لاستيعابها؟ لتذليلها؟ أو في الأقلّ، لدرء أخطارها ومفاعيلها عن لبنان وعن الأحرار والموجوعين من اللبنانيّين؟

ماذا أعددتم؟ ماذا تُعِدّون لمواجهة هذا السيرك اللبنانيّ المأسويّ العظيم، وتحطيمه؟ كلّ سنة وأنتم بخير.

akl.awit@annahar.com.lb