هديّة ترامب وأردوغان لبوتين والأسد

 جلبير الأشقر 
القدس العربي
16102019

حصل ما كان سهلاً توقّعه. فإن انسحاب القوات الأمريكية شبه الرمزية (ألف جندي) من الشمال الشرقي السوري واجتياح المنطقة من قِبَل الجيش التركي أدّيا بصورة محتّمة إلى دفع «حزب الاتحاد الديمقراطي» الكُردي المُشرف على تلك المنطقة من خلال «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي يقودها، أدّيا إلى دفع الحزب المذكور إلى الاستنجاد بروسيا. وكانت موسكو قد حافظت على الدوام بعلاقة ودّية بالحزب الكُردي في إطار سعيها وراء الإمساك بكافة أوراق اللعبة في الساحة السورية، فتوسّطت بينه وبين النظام السوري وجمعت الطرفين في قاعدة حميميم الجوّية لترتّب انتشار قوات النظام تحت إشراف روسي داخل مناطق تواجد قوات الحزب.
هذا ما توقعناه عندما كتبنا قبل أسبوع أنه لو حقّق أردوغان وعيده باجتياح الشمال الشرقي السوري، سوف يكون ترامب قد رمى بالقوات الكُردية في أحضان بوتين الذي سوف «يدفع بقوات النظام السوري إلى دخول المنطقة ومساندة القوات الكُردية في وجه القوات التركية تمهيداً لتحكّم النظام بالحركة الكُردية السورية». ومغزى الحديث أن سهولة توقّع ما حصل، لاسيما وأن دلائل كثيرة كانت تشير إليه، إنما تفرض استنتاجين هامين:
الاستنتاج الأول هو أنه لا يحقّ لأحد أن يلوم الطرف الكُردي على استنجاده بالروس ومن خلالهم بنظام آل الأسد. فإن الاجتياح التركي المصحوب ببعض المرتزقة من العرب لم يترك لـ«حزب الاتحاد الديمقراطي» من خيار سوى الارتماء في أحضان بوتين. وقد شرح الحزب الأمر بصراحة في مقال بتوقيع مظلوم عبدي (فرحات عبدي شاهين)، القائد العام لـ«قوات سوريا الديمقراطية»، نشره موقع مجلة «فورين بوليسي» يوم الإثنين، وجاء فيه: «لقد قدّم لنا الروس والنظام السوري اقتراحات بإمكانها أن تنقذ حياة ملايين الناس الذين يعيشون تحت حمايتنا. نحن لا نثق بوعودهم. والحقيقة أنه من الصعب أن نعرف من يمكننا أن نثق به… نعلم أنه سوف يتحتّم علينا أن نعقد مساومات مؤلمة مع موسكو وبشّار الأسد لو سلكنا طريق العمل معهما. لكن لو اضطررنا إلى الاختيار بين المساومات وإبادة شعبنا، فسوف نختار بالتأكيد الحياة لشعبنا».
أما الاستنتاج الثاني، وهو واضح لكل من لا يعميه الإعجاب بالرئيس التركي مثلما هي حال بعض أوساط جماعة الإخوان المسلمين المرتهنة به، فهو أن أردوغان، بضغطه المستمرّ على صديقه الأمريكي غريب الأطوار ترامب كي يفسح له المجال أمام اجتياح الشمال الشرقي السوري، إنما ارتكب خطأً استراتيجياً فادحاً. وهو خطأ لم ينتبه له معظم المعلّقين إذ انصبّ اهتمامهم على الخطأ الاستراتيجي الفادح الآخر الذي ارتكبه ترامب نفسه بسحب القوات الأمريكية من المنطقة المذكورة.
والحال أن خطأ الرئيس التركي أخطر بكثير من خطأ نظيره الأمريكي إذ إن سوريا في المحصّلة قليلة الأهمية في نظر واشنطن (وهو سبب بقاء التدخّل العسكري الأمريكي فيها ضمن حدود متواضعة جدّاً بالمقارنة مع ما تمّ في بلدان غنيّة بالنفط كالعراق وليبيا)، بينما هي بالغة الأهمية بالنسبة لأنقرة ليس بسبب المسألة الكُردية وحسب، بل أيضاً بسبب سعي الحكم التركي منذ 2011 وراء الاعتلاء إلى مرتبة الهيمنة الإقليمية من خلال دوره في الساحة السورية بصورة خاصة.

وقع أردوغان في الفخ الذي نصبه له بوتين، الأدهى منه سياسياً بأشواط، عندما أكّد له هذا الأخير عدم اعتراضه على اجتياح القوات التركية لمناطق الانتشار المسلّح الكُردي في الشمال الشرقي السوري

وقد بدأت أنقرة تخسر رهانها منذ بدء انتكاسة الاوضاع العربية مع تدخّل إيران وتوابعها في سوريا وانقلاب السيسي على مرسي في مصر في عام 2013. ثم واجه أردوغان مشاكل داخلية متعاظمة توّجتها المحاولة الانقلابية الفاشلة في صيف 2016، فحاول التعويض عن فشل حساباته في سوريا بانعطافه نحو الوصاية الروسية وقبوله بوساطة موسكو بينه وبين طهران، وكان قد حصل لقاء ذلك على ضوء أخضر روسي لاحتلال منطقة عفرين. أما الغاية من عزم أردوغان على اجتياح مناطق الانتشار المسلّح الكُردي في سوريا فهي سياسية بالدرجة الأولى وليست أمنية كما يدّعي، حيث إن هذه المناطق لا تشكّل قط تهديداً لأمن تركيا، لاسيما في الشمال الشرقي الذي ضمنت القوات الأمريكية عدم استخدامه في مهاجمة الأراضي التركية. وقد شرحنا مراراً على هذه الصفحات كيف أن أردوغان، منذ أن بدأ تراجع نفوذه الانتخابي قبل أربع سنوات، أخذ يسعّر العداء القومي للكُرد وعقد تحالفاً انتخابياً مع أقصى اليمين القومي التركي، بل وصل به الأمر مؤخّراً إلى تبنّي معاداة تواجد اللاجئين السوريين في تركيا.
وقد وقع أردوغان في الفخ الذي نصبه له بوتين، الأدهى منه سياسياً بأشواط، عندما أكّد له هذا الأخير عدم اعتراضه على اجتياح القوات التركية لمناطق الانتشار المسلّح الكُردي في الشمال الشرقي السوري. أما غاية بوتين الحقيقية فكانت تشجيع أردوغان على الإلحاح على سحب ترامب للقوات الأمريكية، التي شكّلت حجر العثرة الرئيسي، بل الوحيد، أمام تفرّد موسكو بمصير سوريا. وما أن حقّق أردوغان لبوتين تلك الغاية الاستراتيجية الكبرى، وبدأ باجتياح شمال شرق سوريا، حتى دفع بوتين بقوات حليفه السوري كي تستولي على أكبر مساحة ممكنة في سباق مع القوات التركية على السيطرة على أرض الشريط الحدودي.
وبقي أن نرى كيف سوف تتصرّف القوات الإيرانية وتوابعها التي لا شكّ في أنها ترغب هي أيضاً في الانتشار في المنطقة الشاسعة التي كانت تحت سيطرة قسد. وفي جميع الأحوال فقد تعزّز دور موسكو في الوساطة بين طهران وأنقرة والموازنة بينهما بغية التوصّل إلى إعادة بسط سيطرة نظام آل الأسد على كافة الأراضي السورية (باستثناء الجولان المحتلّ)، تحت وصاية روسية. وقد أفصحت موسكو في أكثر من مناسبة عن تطلّعها إلى خروج «كافة القوات الأجنبية» من سوريا، أي القوات الإيرانية والتركية بعد الأمريكية (أما القوات الروسية فهي مقيمة في البلاد بموجب معاهدة)، كي تمسك بالورقة السورية بلا شريك. ويراهن بوتين على أن ذلك سوف يتيح له مقايضة إخماد الحريق السوري وإرجاع اللاجئين السوريين إلى بلادهم برفع العقوبات الغربية التي فُرضت على روسيا منذ عام 2014 بسبب الأزمة الأوكرانية، فضلاً عن مكاسب اقتصادية أخرى، وهي الغاية الرئيسية التي من أجلها بدأ لاعب الشطرنج الروسي إقحام قواته في الحرب السورية في خريف 2015.

كاتب وأكاديمي من لبنان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*