هدى بركات المُنافِسة على “البوكر” لـ”النهار”: الكتابة ليست تسلية ولا “فشفشة”

“بريد الليل” في القائمة القصيرة لجائزة “البوكر”، والإعلان عن الفائز الثلثاء 23 نيسان. تستبعد كاتبتها هدى بركات وجود قانون أو قياس ثابت تعتمده الجوائز الأدبية. “لا عندنا ولا في الغرب”. قد يلحق الظلمُ نصوصاً تستحق الارتقاء إلى مستوى الجوائز المرقومة، ولا تصل، “لأسباب قد تتغيّر من سنة إلى أخرى، وفق لجان التحكيم، بل ومن جائزة إلى أخرى”. هذا ما يحصل في كلّ زمان ومكان. هدى بركات في بيروت قبل موعد إعلان اسم الرواية الفائزة بـ”الجائزة العالمية للرواية العربية” في احتفال تقيمه أبوظبي. روايتها الأخيرة “بريد الليل”، في المنافسة. يجمعنا حديث عن إشكاليات السرد، العلاقات الملتبسة، شكوى آخر الليل، شقاء الكتابة، وعن العطب الإنساني والاعترافات واعتراض القدر.

تتناول الرواية (“دار الآداب”) إشكاليات ما قبل البزوغ، أي بزوغ المرحلة الجديدة أو الإنسان الجديد. اللافت أنّ احتمال عدم وصول الرسائل، “قطار الرواية”، كما تحلو تسميتها، يغلب احتمال وصولها. نسأل هدى بركات إن كان هذا صنفاً من اليأس أو الإذعان للواقع والوقوف أمامه بعجز وإحباط، أم على العكس، لعلّها دعوة إلى المحاولة رغم ما يعوق الوصول؟ تتحدّث عن “رسائلها” المكتوبة كي لا تصل: “هي أحياناً من دون عنوان. وأحياناً بلا توقيع أو بداية ونهاية. لا وجود لها إلا حين يعثر عليها قارئها بمحض المصادفة، بالطبع “مصادفة” السرد الروائي، من دون أن يكون له أي صلة بكاتبها سوى أنهما من الغرباء. وهكذا في تقاطع تتشكّل من خلاله صورة “البازل” لمسار “قطار الرواية”. نعم، هو في الحقيقة إحباط بات لا حدود له، في عالم لم تعد لنا القدرة على فهمه، وبالتالي فقدنا فيه السيطرة ولو جزئياً على حيواتنا. أستعمل صيغة جمع المتكلّم – نحن – لأننا أصبحنا جميعاً، ولو بتفاوت، غرباء، أكان داخل أوطاننا أم خارجها وفي الهجرات”.

التباس المرحلة

تتناول الرواية مَن انكسرت أوطانهم فصاروا مشرّدين في الأرض، أيتام أماكنهم الأولى، تائهين، وفي مهبّ الرياح وعلى قوارب الموت. أعداد يتم التعامل معها كجسم هائل بلا وزن. لا ترى الكاتبة اللبنانية المقيمة في فرنسا أي بزوغ لإنسان جديد: “لسنا قادرين على قراءة هذه المرحلة الشديدة الالتباس، ومن المؤكّد إذاً أننا بعيدون عن تصوّر المرحلة المقبلة”.

تكتب صاحبة “ملكوت هذه الأرض”، على مهل. ليست ممن يلهث خلف “عدد” الروايات بقدر السعي إلى كتابة تشفي شيئاً من صمت الداخل. “هذا السؤال صعب للغاية، والإجابة عنه معقّدة ولا تضمن الوضوح”، تردّ على سؤال “هل الكتابة مسألة شاقة؟”، مُرفقاً بسؤال آخر: “متى تكاد تستنزف الكاتب ومتى تضخّ فيه حيوات جديدة؟”. بالنسبة إليها، “للكتابة نشاط ملتبس بين أن يكون شاقاً، إذ يدفعك للحفر داخل بئر الذات وفي أمكنة قد تكون سوداء وغير متوقعة، بخاصة إن كنت من الكتّاب الذين لا يدافعون عن قضية واضحة، بل تكون أسئلتهم أكثر قرباً من الهواجس. ليس في رواياتي ما يكشف عن حقائق. في “بوح” شخصيات “بريد الليل” الكثير من الكذب أيضاً، ومن التناقضات التي لا يحتملها عادة السرد الكاشف عن يقين. لكن الكتابة هي أيضاً، لا أعرف كيف، آلية مدهشة لبثّ ما تسمينه “حيوات جديدة”. هي فعلاً جديدة، بمعنى اكتشاف ما تكتبين من دون “تخطيط” أو هدف واضح، وأيضاً حين يقرأ الآخرون ما كتبتِ، يعيدون لك النصّ بصياغة قراءتهم له”.

القسوة

الرواية مليئة بالبوح الليلي العذب. ذلك البوح الذي يكاد يتلاشى مع ضوء النهار، فيما يختمر ليلاً ويخرج مكثفاً، مُرهِقاً. لماذا الليل، ونحن في هذا الليل العربي- الوجودي- الإنساني الحالك؟ السؤال برأيها يتضمّن الإجابة: “الجزء الأول من الرواية عنوانه “وراء النافذة”، فيه ينظر كاتب الرسالة من وراء نافذة ما إلى الليل. أي أنّه لا يرى سوى السواد الكثيف. وهو ما يشير إلى وحشته ووحدته وذلك الإحساس بغربة لا حدود لها، وبصعوبة فهم ما تطلبه الأقدار”. نتّهمها بشيء من “القسوة” على القارئ. لنقل إنّه ممنوع عليه “التلهّي” أو “الشرود” أو غضّ النظر عن تفصيل أثناء القراءة، وإلا أفلتت منه أشياء، ثم نسأل: أي علاقة تشائين بناءها مع القارئ؟ ولأي قارئ تكتبين؟ تقرّ: “معكِ حق في أنّه سرد يتّكئ على شيء من القسوة. لا أعتبر أنه عليّ “مساعدة” القارئ في المتابعة. أنا كاتب يقسو على نفسه، ولذا ربما أطلب من القارئ ما أطلبه من نفسي. الكتابة ليست تسلية ولا “فشفشة”. أقبل في الرواية، الحكاية المسليّة وأعتقد أنّ لهذه الكتابة مكاناً في المشهد الواسع. فالتنوّع لا يعني أي إقصاء، لذا ليس هناك من قارئ معيّن أكتب له. بالطبع أتمنّى أن يقرأ نصّي أكبر عدد من الناس، وليس لدي شروط أو متطلّبات من القارئ إذ حدث أن فوجئت بقرّاء غير متوقّعين. رواية “أهل الهوى” قرأها مساجين في سجن “لي بوميت” في مرسيليا، واستدعيت إلى لقاء هناك. منهم من كانت الرواية أوّل كتاب يقرأه في حياته، ثم بقيتُ على تواصل معهم لمدة طويلة. في الواقع ليس هناك مقياس للقارئ النموذج، وهذا من هدايا الكتابة.

تعرّي “بريد الليل” الألم وتُظهره على حقيقته. يتراءى فظاً، مُعمّماً على حالات متناقضة، مُعذِّباً. في داخله كمّ هائل من عبثية الحياة وكآبة التغرّب والمصير الملتبس. كيف تتخيّل هدى بركات القارئ وهو يُنهي الصفحة الأخيرة، وهل تريده أن يعتبر أو يتّعظ؟ “لا! لا!”، تردّ سريعاً. “لا أريد القارئ أن يتّعظ ولا أن يعتبر. لا أقدّم له اقتراحات حكيمة بالمواعظ أو العِبر. كلّما كبرت في العمر أو في الكتابة ازداد شكّي في ما أعرفه. صحيح أنّني أقرب إلى حدس آلام الآخرين، فيصبحون شخصيات متألّمة، إذ يكشف كلامنا القاسي عن الألم قاعاً أو قيعان لا نريد رؤيتها، ونفضّل أن نتناساها ونتناسى مسؤوليتنا فيها وعنها. أنا كإنسان أشكو قلقي وأودّ أن نتواصل عبر وسائل نسمّيها فناً، تساعدنا على كسر الوحشة بشيء من المتعة. أفضّل مثلاً الكتابة الروائية على وسائل التواصل التي لا أملك حساباً في أي منها. لا أجد للكتابة أي علاقة بالنشاط الاجتماعي. هي النشاط المنعزل بامتياز، إذ لا يكتب أحدٌ إلا وحيداً. أمّا المقهى والسهرة مع الأصحاب والعلاقات العامة، فأشياء أخرى تماماً. أنا للمناسبة لا أتقنها بتاتاً”.

تنافس “بريد الليل” خمس روايات على “البوكر”: “النبيذة” لإنعام كجه جي، “شمس بيضاء باردة” لكفى الزعبي، “صيف مع العدو” لشهلا العجيلي، “الوصايا” لعادل عصمت، و”بأي ذنب رحلت” لمحمد المعزوز. نودّعها بسؤال على أمل اللقاء بعد الفوز: هل يموت الأدب/ الكتاب/ القراءة في زمن التحوّلات التقنية السريعة؟ لا تعتقد ذلك. “ربما تتحوّل طرق الكتابة وأساليبها متأثرة بذلك، وربّما أيضاً اللغة نفسها. هذا إلى جانب اللجوء إلى نوع من الموضة على أنّها تحاكي العصر، لكنّها تجريب، كأي تجريب آخر”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*