الرئيسية / home slide / هدم دعامة لبنان الاقتصادية

هدم دعامة لبنان الاقتصادية

22-03-2022 | 00:05 المصدر: “النهار”

راجح خوري

مصرف لبنان (نبيل اسماعيل).

مصرف لبنان (نبيل اسماعيل).

A+A-هناك فرق بين القانون والعدالة، فالقانون ينطبق على طريقة البت في قضايا فردية واضحة لكنّه يمكن أن يتحوّل عملية طعن في روح ومعنى العدالة، التي يفترض أن تكون شمولية تنطبق على كل المواطنين سواء، وكما يقول الرئيس نجيب ميقاتي، من حق القضاء أن يحقق في أيّ ملفّ مالي ومصرفي، وخصوصاً أن استعادة المودعين في المصارف حقوقهم هي الأولوية والثابتة الأساسية في كل المفاوضات التي تجريها الحكومة مع صندوق النقد الدولي، وكل الهيئات المعنية، إلّا أن التمادي في استخدام الأساليب الشعبوية والبوليسية في اختيار ومسارات هذه التحقيقات أساء ويسيء الى القضاء وسمعته أولاً، وإلى النظام المصرفي ككل.

ليس في هذا الكلام أيّ مبالغة، فإن كانت السلطة القضائية تتعرّض للهدم وتُدفع دفعاً الى الانقياد وفق أهواء المنظومة السياسية الفاسدة، فإن هذه المنظومة أو بعضاً منها، وهو معروف جيداً، تحاول تدمير القطاع المصرفي الذي كان ولا يزال أحد أعمدة الصمود ال#لبناني، ولهذا لم يكن مستغرباً أن يعترض ميقاتي في ضوء المطاردة التي يتعرّض لها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة منذ أعوام، رداً على حرصه على الإمتثال لشروط تعفي المصارف اللبنانية من العقوبات الأميركية، وهو ما أثار قيامة “حزب الله” عليه منذ أعوام، وكذلك قبل يومين في ضوء ذلك القرار العجيب الغريب بالحجز على ودائع عشرات آلاف المودعين نتيجة الحجز الجبري على جميع موجودات وخزائن وعقارات فرنسبنك، لمجرّد شكوى مودع واحد يقول البنك إنه دفع له حقوقه.

وهكذا، ليس غريباً أن يقول رئيس الحكومة إن من الواضح أن مسار الأمور لدى بعض القضاء يدفع في اتجاه افتعال توترات لا تُحمد عقباها، وإن هناك محاولات لتوظيف هذا التوتر وتكبير المشاكل بما قد يؤدّي الى خلق فوضى عارمة بهدف إلغاء الانتخابات، وهذ أمر خطير حذرنا منه سابقاً.

كان من المطلوب عملياً قبل أن يطفح كيل جمعية المصارف وتذهب الى الإضراب احتجاجاً على محاولة تحميلها هي كل القباحات التي اقترفتها أصلاً منظومة الفساد والنهب، بينما كل ذنوبها أنها لبّت طلبات المصرف المركزي بتوظيف الودائع، التي كان مضطراً لرفع الفائدة بغية الحصول عليها لتأمين التمويل الكافي الذي تغرف منه عصابات الدولة وتطالب بإصدارات اليوروبوند، ولطالما ضاع صراخ رياض سلامة منذ سنوات وهو يحذّر من أن القطاع العام الذي ينخره الفساد وتعمّه سياسة النهب والسرقات المقوننة، أكل القطاع الخاصّ، وصار الآن مطالباً هو بدفع الفواتير فيما يستمرّ هذا العهد مثلاً في قرع دربكات التحقيق الجنائي الذي يُفترض منطقياً أن يبدأ من قطاع الكهرباء الذي كلّف لبنان ٤٣ ملياراً من الدولارات كانت كافية لإنارة قارة آسيا، ويكفي أن ننظر الى قفزة مصر الكهربائية في عامين.

ولكن عندما يطالب ميقاتي السلطات القضائية بعد ما جرى حيال فرنسبنك بأن تأخذ المبادرة في تصويب ما حصل وفق الأصول المعروفة والعودة الى مبدأ التحفّظ وعدم ترك الأمور على هذا النحو المدمّر، الذي بترك انعكاسات مدمّرة على القضاء أولاً وعلى أهم الدعائم الاقتصادية في لبنان أي المصارف، لن تجد سوى غوغاء قارعي حقوق المودعين، ومنهم نائب زار ميقاتي أمس مستغرباً قرار جمعية المصارف “حرمان” الناس من السحوبات، ناسياً القرار ضدّ فرنسبنك الذي يحرم مودعيه من حقوقهم لقاء مودع قبض ووقّع عند الكاتب العدل!

الأهم من ذلك كله أن البنوك المراسلة بدأت تتحرّك وتطالب فروع البنوك اللبنانية بتوضيحات وضمانات، وهو مؤشّر لبداية دفع لبنان الى عزلة عالمية مصرفية، يدفع هذا البلد المنكوب بسياسييه، ثمنها لأن المطلوب هو هدم الدعامة الأخيرة الاقتصادية في لبنان.


khouryrajeh@annahar.com.lb
twitter@khouryrajeh