الرئيسية / مقالات / هجمة لبنانية ونخوة شارقية

هجمة لبنانية ونخوة شارقية

فـــؤاد مطـــر
صحافيّ وكاتب ومؤلّف لبنانيّ، خبير بالشّؤون العربيّة ولاسيّما مصر والسّودان والعراق
الشرق الأوسط
06032019

في الجولة المستجدة من العراك الكلامي في لبنان حول المال الحكومي، ارتأى رئيس وزراء لبنان فؤاد السنيورة اختيار مقر نقابة الصحافة مكاناً للرد منه على «حزب الله»، الذي وجد في لحظة التصويب عليه من الإدارة الأميركية وبعض الدول العربية الخليجية والحكومات الأوروبية بما يربك مشروعه وتطلعاته السيادية، افتراس سمعة الرئيس السنيورة. وفي مضمون سيناريو هذه الهجمة على الرجل، أنه من دون حصانة، وأن منسوب «الالتفاف السُني – المستقبلي» حوله سيكون خاضعاً لحسابات ومقايضات سياسية؛ ولذا فمن السهل استفراده، فضلاً عن أن المقارعة منقوصة التكافؤ؛ كونها بين «دولة حزب الله» القوية والمستقوية مذهبياً وسلاحياً، وبين شخص السنيورة المهيض جناح التحليق السياسي بعدما بات من السابقين رئيساً لحكومة وعضواً في البرلمان؛ الأمر الذي يعني في نظر «دولة حزب الله» أن الانقضاض على الرجل سهل. ثم نجد الرئيس السنيورة يُبرز أنيابه من خلال عبارات ليس بالأمر الجديد صدورها عنه، وإنما اللافت أنه قالها بصيغة الرد على التصويب بالمثل، وليس فقط الاكتفاء بالأرقام وتحديد المسارب وتفنيد وقائعها.
ما يعنيني هنا بصفتي واحداً من المنتسبين إلى هذه النقابة ليس عراك الرئيس السنيورة مع «حزب الله» وهجمته رداً بالمثل على الهجمة التي استهدفتْه، ذلك أن الطرفيْن لاعبان على أرض الحلبة التي هي لبنان المغلوب على أمره، وبصرف النظر عما إذا كان ذلك الحصان الأصيل (داحس) من حصة عشيرة (عبس) وتلك الفرس الأصيلة (الغبراء) من حصة عشيرة (ذبيان)، كما بصرف النظر عما إذا كانت حيوية (الغبراء) أشعلت ناراً في نفوس العبسيين، واشتعلت حرب عشائر الطرفيْن التي دامت أربعة عقود، أي نصف عمر «الحرب» المتواصلة بين «حزب الله» والطرف الذي ينتسب إليه فؤاد السنيورة. أما الذي يعنيني فهو أن اختيار مقر نقابة الصحافة مكاناً للمؤتمر الصحافي السنيوري حدث في وقت لم يتبق من شجرة الصحافة اللبنانية سوى زيارات بروتوكولية من جانب مجلسي النقابتيْن، نقابة الصحافة ونقابة المحررين لكبار المسؤولين، ونقْل مواقف عن هذا أو ذاك من هؤلاء تأخذ طريقها إلى ما بقي من صحف، هي عملياً بضع أوراق من تلك الشجرة على أهبة الذبول، ومن دون أن يشملها اللاعبون السياسيون من عونيين ومستقبليين وقواتيين وآخرين بما يُبقي أوتاد الخيمة الصحافية قوية، مع أن هذه الصحافة التي تتواصل ذبولاً كانت على مدى سبعة عقود صانعة أمجاد هؤلاء الذين باتوا رؤساء ووزراء ونواباً، وكذلك الذين باتوا في ذمة الله. وبالعودة إلى صحف ومجلات الزمن الغابر يتأكد كلامنا هذا.
واللافت أن المؤتمر الصحافي للرئيس السنيورة جرى في حين يتواصل ترميم مبنى النقابة، وتتولى ورشة معمارية منذ سنة تكسير وتبليط ودهان الطبقات الثلاث للمبنى، لكن ذلك لم يمنع دون اختيار عقد المؤتمر الصحافي. ولن ينتهي قبل بضعة أشهر هذا الترميم، وإضافة طبقة رابعة لاستثمارها مطعماً أو مقراً لنقابة المحررين بدل مقرها الحالي النائي، أو نادياً إعلامياً أو مركزاً للمؤتمرات الصحافية، ربما تكون عندها قررت الصحف المتبقية الالتحاق بالتي توارت.
واللافت أيضاً أن عملية الترميم المشار إليها تمت بتبرع خجول من رجل أعمال أعطى مما أعطاه الله، ومن جهة مصرفية سعى إليها نقيب الصحافة عوني الكعكي، وأثمر السعي ما يغطي بعض الترميم. 
أما الذين اكتنزوا ورفعت الصحافة اللبنانية شأنهم بحيث باتوا زعماء في الحكم وأصحاب ثروات خارج الحكم، فإنهم لا يتذكرون أي دور للصحافة اللبنانية في إعلاء شأنهم على الصعيديْن السياسي والمالي.
هذا التبرع الذي لولاه لما كان في المستطاع البدء في ترميم مبنى نقابة الصحافة اللبنانية المتهالك، يجعلنا نستحضر واقعة حدثت في مصر في شهر واحد من الزمن العربي المايل نفسه، وتتلخص على نحو ما ورد في صحيفة «الأهرام» التي قرر رئيس مجلس إدارتها نقيب الصحافيين عبد المحسن سلامة عدم الترشح لولاية جديدة، في أن حاكم إمارة الشارقة الشيخ سلطان القاسمي زار يوم الثلاثاء 6 يناير (كانون الثاني) 2019 مبنى نقابة الصحافة في مصر لافتتاح معهد للتدريب الإعلامي المتكامل (صحافة مطبوعة وإلكترونية. إذاعة وتلفزيون. سوشيال ميديا. تصوير فوتوغرافي) بمنحة منه، إضافة إلى تمويله وبالتعاون مع وزارة الإنتاج الحربي إنشاء مستشفى للصحافيين وأُسرهم. ولقد تزامنت الزيارة والخطوة النخوة الشارقية في وقت تنشر «الأهرام» أيضاً لأحد كتَّابها المرموقين فاروق جويدة مقالة جاء فيها الآتي: «لا شك أن صحافة مصر الآن تعاني كثيراً من ضحالة المواهب وهبوط مستوى الكتابة، وخاصة أن معظم الصحافيين الشباب يتجهون إلى الفضائيات في أعمال الإعداد والتحقيقات التلفزيونية السريعة أمام ضعف مواردها المالية… مصر تعيش محنة قاسية، لكن ما زال دورها ضرورياً حتى الآن، وعلى الدولة المصرية أن تدرك أن مصر بلا صحافة كارثة كبرى، وأن مهرجانات وصخب الفضائيات لا يمكن أن يُغني عن أقلام تضيء العقول وتحيي الوجدان…».
يا لحُسْن حظ جنود صاحبة الجلالة في مصر. ويا لتعاسة حظ زملائهم في لبنان. كما يا لطيبة النخوة الشارقية من الشيخ سلطان القاسمي تأتي في واحدة من الليالي الظلماء للصحافة العربية.

اضف رد