الرئيسية / home slide / هجرتُ الخوف ولم أهجر لبنان

هجرتُ الخوف ولم أهجر لبنان

30-12-2021 | 00:00 المصدر: “النهار”

تعبيرية (نبيل إسماعيل).


غابي لطيف

  لم تكن مناسبة عادية، بل احتفالية تجمع #لبنان وفرنسا، أو بالأحرى لقاء رحّب فيه المقيمون في العاصمة الفرنسية بالآتين من العاصمة بيروت لزيارة أهلهم وناسهم، ودعم الطلاب الجامعيين في مدينة الأنوار باريس.

لم تكن مناسبة عادية لأنّ توقيتها حُدّد بعد حجْرٍ دام طويلًا جرّاء الجائحة، فتلاقت النظرات المتعبة وانفرجت الأسارير.

لم تكن مناسبة عادية لأنّنا سمعنا وشاهدنا مدى الألم الذي يعصف بقلوب اللبنانيين كلما تحدثوا عن المصاعب التي يمر بها لبنان. الجامعة اليسوعية (جامعة القديس يوسف)، الجامعة الفرنكوفونية الأولى في الشرق التي صنعت مجد لبنان الفكري، عبر خريجيها في مجالات الطب، والقانون، والأدب، والسياسة. هذه الجامعة العريقة التي ساهمت بتأسيس لبنان، تنادي العالم اليوم ليمد يد المساعدة للبنان. جاء ذلك على لسان رئيسها الأب سليم دكاش الذي أطلق صرخة عبر إذاعة “مونت كارلو” قائلاً: “ساعدونا، إنّها قضية حياة أو موت. الجامعة والمستشفى (أوتيل ديو) بحاجة إليكم لأننا عاجزون عن الاستمرار في الظروف الحالية”.

ماذا حدث للبنان؟ ماذا صنعتم ببلد الأرز؟ لماذا دمّرتم الواقع والأحلام؟ ولماذا تغتالون مقوّماته الفكريّة والاقتصاديّة والأمنيّة؟ ألا يوجد إبداع لبناني في لبنان؟ ألا يوجد مشروع إنقاذي قادر على أن يُعيد الى لبنان وجهه الحسن؟ ألا يوجد سيناريو آخر غير هذا الفيلم المرعب الذي يعيشه اللبنانيون؟ فاللبنانيون الذين أبدعوا وما زالوا يحقّقون نجاحات عالمية، والذين يُعتبرون من المواطنين الصالحين في كل بلد انتقلوا إليه، لماذا تُرَحّلون من بقي منهم؟ ألم تكتفوا بأولئك الذين هاجروا جراء الحروب بينكم، وأنا منهم؟

حياتي كانت رائعة في مطلع الشباب. دخلت الإعلام باكراً في بلد يضج بالجمال والرقي. وإذ بي أهرب كالعصفور من الصياد، كي لا يصيبني براجماته وصواريخه…أما وأنا في باريس منذ عقود، فقد هجرت الخوف، لكنّني لم أهجر لبنان. وبقيت عالقة به ومتعلّقة. إنه لبنان جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وخالي الكبير المؤرّخ فيليب حتّي. هو أهلي وأصحابي، هو الشاشة التي أحببت وأخذتني الى الإعلام، هو البحر، والجبل، والشجر، وهو الذكريات، والضحكات، والبراءة.

تلك الليلة لم تكن ليلة عادية. أن أتقلّد ميدالية الاستحقاق من جامعة القديس يوسف في بيروت، في عاصمتي الثانية باريس، بعد سنوات من العمل الإعلامي، ومئات المقابلات الإذاعية، واللقاءات الأدبية، والفنية، والسياسية، والأسفار، والحوارات. وجدت نفسي في تلك اللحظة مكتومة الفم، لأنّ قلبي كان يتكلّم مع عقلي. فأغمضت عينيّ واستمعت إليه يقول: ها هي الحياة تعيدك إلى مسقط رأسك بيروت، وإلى الجامعة اليسوعية التي كان من المفترض، وبرغبة عائلية الالتحاق بها. لكن الأقدار كانت لكِ بالمرصاد وأخذتكِ إلى أمكنة أخرى. وكأنكِ الليلة تعودين إلى سن المراهقة، إلى تلك اللحظة التي يتقرّر فيها المصير. هذا التكريم ليس لشخصِك، بل هو لمشوارك كامرأة من لبنان الأرز دافعت عن القيم التي عُرف بها بلدها. عليكِ أن تفرحي فلا شيء يضيع وكل شيء يبقى ويُقدَّر…وهذه معجزة لبنان ومَن ينتمون بصدق إليه…

الكلمات الدالةلبنانالهجرة