هبة طوجي “تسلّم على مصر”


هبة طوجي الصوت اللبناني الذي استطاع اختراق المزاج المصري الحاد

تنضم هبة طوجي إلى سلالة خاصة من المطربين، بكليبها الأخير “سلم على مصر“، سلالة لم تذهب الى موضة الاغاني الوطنية، بل تمثل العرب الذين غنوا لمصر، وهذه القائمة محدودة.

غالباً ما مثلت الأغنية الوطنية “فخاً” جمالياً وفنياً. فهي إما نوع من أنواع البروباغندا للحقبة السياسية التي تنتمي إليها، أو هي “مانيفستو معارض” لنفس هذه الفترة. عادة ما يتم تأريخ بدايتها على يد الشيخ سيد درويش في عشرينيات القرن الماضي. وقتها كانت تجربة جدية وطازجة في قدرتها على التعبير عن نبض الشارع المصري، وتحويل كلماته ومعتقداته إلى أغان، وهكذا كانت أغنية “أهو ده اللي صار”، و”قوم يا مصري” وغيرها.

في ذلك الوقت كانت أغاني سيد درويش تعبر عن الهوية الوطنية الجديدة التي هيمنت على ثورة 1919، الهوية المصرية بمعزل عن السلطنة العثمانية وعن الاحتلال بطبيعة الحال.

ثم ما لبثت الأغنية الوطنية غيرت من جلدها التعبيري بعد ثورة 1952، لتأتي الحقبة الناصرية، بهوية مصرية ذات عمق قومي عربي. ومن هنا جاءت أوبريتات “الوطن الأكبر” من تلحين محمد عبد الوهاب ومشاركة عدد من المطربين المصريين والعرب، فايزة أحمد وصباح ووردة. كانت الفكرة الأساسية أن يقدم الأوبريت تعبيراً فنياً عن التوجه السياسي العروبي لنظام جمال عبد الناصر، وقد كان.

من هنا، بدأت تظهر السلالة التي افتتحنا الحديث بها، سلاسة العرب الذين يغنون لمصر، ليكون في كثير من الأحيان جواز سفر المطرب لعالم الفن في مصر، وبطاقة تعريف له مع المصريين، بل إن كثيرا من المطربين ذوي التجارب الفنية المدوية في بلادهم اختصرتهم الجماهير المصرية في أغنيتهم الوطنية، وهؤلاء يختلفون كثيراً عن هؤلاء الذين حققوا مجدهم الفني في مصر أصلا، فهذه السلالة لا تضم صباح أو فايزة أو وردة أو لطيفة أو سميرة سعيد.

هكذا صارت نجاح سلام صاحبة أغنية “ياأغلى اسم في الوجود” وعليا التونسية “ماتقولش إيه اديتنا مصر”، ثم وديع الصافي “عظيمة يا مصر ياأرض النعم” و”إذا مصر قالت نعم أيدوها”، وأخيرا وائل كفوري “ناداني الشوق لهواكي”. تبدو الفكرة مجحفة في حق هؤلاء الفنانين، لكن النقطة هنا ليست تقييم أعمالهم الفنية بقدر ما تحمل تجربتهم تقاطعاً مع الشارع المصري، وتأديتهم أغانٍ تحتفي بمصر.

انضمت هبة طوجي إلى هذه السلالة بأغنية من كلمات نادر عبد الله وألحان أسامة الرحباني، بلحن “رحباني” خالص، تستطيع أن تميز جملته الموسيقية من اللحظات الأولى. أما الكلمات فلم تستطع أن تخرج عن ميراث المديح في مصر، فتغنت بنيلها وشابها الأسمر وأم كلثوم وعبد الحليم وما إلى ذلك. ما يتشابه مع كل ما يتغنى بمصر، وهو ما يفرض السؤال: هل الأغاني الوطنية محدودة في خيالها ما يقيد كتابها، أم أن الأمر صار نوعا من “الاستسهال” في الكتابة، ولا شك أن الجمهور سيفرح بمداح جديد؟

هبة طوجي صوت لبناني، استطاع أن يخترق المزاج المصري الحاد، لا لتكون مطربة يحبها مجتمع ضيق، وإنما نالت شعبية هائلة، لا أدل على ذلك من الحفاوة غير العادية بحفلها الذي سيقام في نهاية هذا الشهر، والإقبال الكبير، الذي يقول كم لها في الشارع المصري.

أيضا، من المحزن أن تكون هذه هي الأغنية “سلم على مصر” هي تجربتها الأولى للغناء باللهجة المصرية، ولعلها كانت اختارت شيئاً بعيداً عن الوطنية المباشرة، لتخوض التجربة الغنائية باللهجة بشيء أكثر أصالة وأكثر قرباً من الفن منه إلى البروباغندا.

صحيح أن الواقع المصري اليوم، ونظامه، مفتونان بالحقبة الناصرية، لكن ذلك لا يعني أبداً الانجراف في هذه التحية الوطنية. حتى وإن كانت نية طوجي سليمة وأصيلة، فالأغنية الوطنية مثل ما تمثله من فكر هوياتي، تموت. وليس أدل على عدم وصول الأغنية لمليون واحد سواء في فايسبوك أو يوتيوب. لقد ضجر الناس.

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*