الرئيسية / home slide / ها إني قرأت لمحمد خضير…

ها إني قرأت لمحمد خضير…

 حسن داوود
القدس العربي
14052021

يكتب محمد خضير، في إحدى مقدمتي كتابه (حيث أن النص الأول، «الظفر المقلوع» يحتمل أن يكون مقدمة ثانية) أن ما يسرده هو سيرته متوزعة على مئة من وجوهه. لكن قارئه، في ما هو يقلب القصص المتوزعة فصولها تحت عنوان «العقود»، وهي تمثل سنوات ما انقضى من الحياة، وما سينقضي، لا يكف القارئ عن التساؤل إن كان ذاك الطفل المجدور الوجه هو واحد من هذه الوجوه، أو إن كان مصطفى موظف المصرف، والمتحين لحظة انتهاء الدوام ليعود إلى بيته، أو إلى زوجته، هو صاحب وجه آخر منها، أو ذاك الشاب أو الرجل العازب ما يزال، المستلقي على أريكة البطالة، ويُعمل ذاكرته وخياله معا في أشياء يمكن أن تكون بلا معنى، أو هل هو، أيضا، ذاك الجندي المرابط في الجزيرة، الذي نسي نفسه هناك، ونسيته قيادة الحرب فقضى السنوات الثماني بين الأنقاض واليباس والحرائق، التي خلفتها الصواريخ.
هي وجوه متخالفة ومتغايرة بأكثر مما يفكره كل امرئ حين يسائل نفسه، لحظة تذكره وجها من وجوهه المنقضية، إن كان هذا، أيضا، هو نفسه. تأتي هذه الوجوه جانبيةً إلى التذكر، مثل «برق لامع… لا يدوم أمام النظر سوى لمحة»، وهذا وصف لآلية عمل الذاكرة، التي تكتفي من المشهد بصورة واحدة، على مثل ما تفعل كاميرا الفوتوغرافيا.
أحسب أن قصص محمد خضير تبدأ من هناك، من الصورة الباقية لطفل القطار المجدور، على سبيل المثال، جاعلا منها مركزا للحياة العابرة، الجارية حوله. ذاك أن من الصعب، بحسب التذكر الذي لا يضيء إلا للمحة، أن تأتي الذاكرة بالآخرين الذين كانوا جالسين على مقاعد الجهة الأخرى من المقطورة.. وهؤلاء كثر، ومتنوعون بينهم معلمون ومعلمتان وبعض عسكريين. كما أن هؤلاء يتحركون. يبدلون مطارحم وهم لا يتوقفون عن إبداء استيائهم مما يشاهدونه ويشتمون رائحته.
أي أن خضير يؤثر البدء من لحظة صامتة. لحظة صامتة مكانيا وزمانيا طالما أن ما ستنتهي إليه القصة هو المشهد ذاته الذي بدأت منه، عائدا بذلك إلى تلك اللحظة ذاتها. هنا لن ننتظر ما سيلي، نحن الذين نقرأ، ولن نوعَد بأن ما قرأناه يمهد لحادثة آتية. مع ذلك هي حياة كاملة تجري في الزمن الذي يؤثر الكاتب أن يبقيه ساكنا أو متوقفا، ذلك السكون، أو الصمت، يتيح له أن يضيف صورا أخرى على لحظة بطله تلك. في مثال الجندي المرابط في تلك الجزيرة يسيل الكاتب صورة اليباس، ويبطئ مرور الطائرة، تلك التي تمر بلا صوت مسموع، على الرغم من طيرانها المنخفض حتى لتكاد تلامس أعالي النخلات المحترقة.
كيف كان يمكن لخضير، لولا ذلك السكون، أن يصف صورة النهر بتلك الدقة المبدعة: «يسلخ المجرى البطيء جِلْدَ النهر الأخضر، فينكشف اللون البني للمياه المخبوطة، ثم يزيدها الغروب حمرةً واعتكارا». فلنتذكر هنا البيت الشعري لابن الرومي «وقد رنقت شمس الأصيل ونفضت على الأفق الغربي وَرْساً مذعذعا». مثلما يُصمِتُ الشاعر المشهدَ المغير فيض ألوانه هيئةَ الأرض، يقوم القاص هنا بإسكات جريان النهر وإصماته، رغم سلخ المجرى لصفحته واختلاط لونه.
لم أكتف من «كتاب العقود» بقراءة واحدة، رغم التركيز الشديد الذي تتطلبه تلك القراءة. ورغم ذلك لم أتوصل إلى أن أضع قصصه في سياق يسهل جمعها في سياق هين. فمثلما كان صعبا جمعُ الوجوه في سيرة رجل واحد، هو الكاتب، كان امتداد الزمن على عقود العيش الكثيرة حائلا أيضا دون ذلك الجمع. ولنضف إلى ذلك المخيلة الكتابية الساعية على الدوام إلى التوسع، بإدخال مخلوقات وهوامات وأسماء تماثيل وحروف، مثل حرف «الميم» ومخلوقاته، ورؤى من الموت وما قبله وما بعده، ومن ثم إدخال كل ذلك في سياق التذكر الواقعي. وما يوسع الكتاب عن أن يُحتوَى بفكرة عنه هو إغراء كتابةِ ما تستدعيه المخيلة من الجملة الأخيرة التي انكتبت لتوها. ثم هناك عالم اللغة الثري الذي، على أي حال، هو ضروري لوصف نأمة وحركة لم توصفا من قبل.
لغة محمد خضير متمددة في تاريخ اللغة طولا وعرضا، تذهب رجوعا إلى مفردات مكثت حيث شاعت في عصور سبقت، واستجدت حتى القدرة على أن تصف ما كان الوصف عاجزا عن بلوغ جوهر موصوفه.
لم يسبق لي، قبل «كتاب العقود»، أن قرأت كتابا أو حتى قصة متكاملة لمحمد خضير. كنت أعد نفسي، على مدار كل تلك السنوات الفائتة، أنني سأجد أمامي كتابا له أشرع على الفور بقراءته. بدأ ذلك منذ السبعينيات لدى عودة الصديق الراحل السيد هاني فحص من النجف حاملا معه، لنا نحن أصدقاءه، ما لم نعرفه هنا من أدب العراق الجديد. اسم محمد خضير كان في طليعة هؤلاء، وقد قرأ لنا السيد هاني جزءا من نص له مزهوا بقدرة لغته على بلوغ ذاك العمق. قرأت «كتاب العقود»، في غضون أسبوع واحد، مرتين وبعضا من مرة ثالثة، مكتشفا ومستمتعا، ومعتذرا أيضا عن تأخري، كل هذا الوقت، لما حثني السيد هاني على الإسراع في معرفته.

«كتاب العقود- سرديات» لمحمد خضير صدر عن منشورات الجمل في 206 صفحات- سنة 2021.

كاتب لبناني