الرئيسية / home slide / هاتف الأربعاء

هاتف الأربعاء

28-12-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

سمير عطالله

سمير عطالله

شادية تويني.

التقيت #شادية تويني أول مرة بمحض الصدفة في بهو “هيلتون النيل” – القاهرة، ومعها “المعلم” قادمين من الأقصر. وكان الفضولي الأبدي في ثياب علماء الآثار: قبّعة مرفوعة الحافتين، وصدرية كاكية كثيرة الجيوب، وفي كل جيب كاميرا، أو فيلم، أو اختراع آخر.

نسي أن يعرّفني الى زوجته الجديدة. ونسي أنني تركت مكاتب “النهار” من ثلاثة عقود، وقال كأنه يؤنبني لأنني لم أستأذن التغيّب: “شو عم تعمل هون”؟ في داخلي، تعاطفت مع هذه السيدة الأكابرية التي لا تعرف أنها تزوجت برجل لا ينام ولا يهدأ ولا يكفّ عن البحث في “وادي الملوك”، وعن المستقبل في رحلة ابولو الى القمر.

على العشاء ذلك المساء، استغل “الأستاذ” انهماك شادية في الحديث مع ضيفة أخرى ومال عليّ قائلاً “لقد غيّرت هذه المرأة حياتي”. سوف يتبيّن لنا في ما بعد أنها غيّرت موته أيضاً. السيدة الرضيّة الباسمة زادت في صلابته الأسطورية ضد التراجيديات العائلية التي لاحقته بقدر ما أحب الإغريق، وتجسّدت أمام عينيه مآسي أثينا وجنون اسبارطة واحدة تعشق الحياة في الحياة، واحدة تلتذّ بالحياة موتاً. عاش يحاول أن يبعث أثينا في #لبنان، ومات وابنه قتيلٌ بين يديه.

في مرحلته الأخيرة، كان يصر على أن أكون معه ومع شادية ونايلة في السفر أو في بيت مري. وكان يتصرف وكأنني لا أزال محرراً في “النهار”. وعندما أحاول الاعتذار، يصعب عليّ “أهم صديق” في حياته، أي مروان حمادة، الذي كان يمثّل لديه قول أنطون سعادة، “أن الصداقة تعزية الحياة”.

كان همّ شادية تويني أن “يبقى غسان” سعيداً. وبعدما غاب، أصبحت رسالتها أن يبقى. وبعد غيابه بقيت لنا صداقتها ومودّتها وتلك اللياقة الملوكية في حفظها. وكانت تخصّني من بيت مري كل أربعاء بهاتف الأربعاء وتلك الجملة التي تبهج سامعها: “يا سمير شو هيدا”.

لطالما ذكرت في ما أكتب، قصيدة شاعر تركيا العظيم ناظم حكمت “بنفسجات الأربعاء” وهي من أربعة سطور:

تعوّدنا الرفاق وأنا، أن نشتري لك باقة بنفسج كل أربعاء، هذا الأربعاء لم نشتر باقة البنفسج، اشترينا بثمنها خبزاً.

الأربعاء الماضي تلفنت الى شادية كي أعايدها وأعاتبها مازحاً، أنني لم أكتب ولم تتلفن، وردّ الهاتف مقفلاً.