الرئيسية / home slide / هاتفني جوزيف صايغ من باريس وأخبرني أنه مُصاب

هاتفني جوزيف صايغ من باريس وأخبرني أنه مُصاب

09-11-2020 | 00:00 المصدر: النهارسليمان بختي

جوزيف صايغ.

هاتفني من باريس قبل ايام قليلة من وفاته واخبرني انه اصيب بالكورونا، وانه كان أمضى ستة اشهر في زحلة ينطنط من بستان إلى بستان من دون أن يصاب بشيء:  “هنا في يومين اكلناها “. سعل سعلةً. ثمّ سعلة ثانية. وقال ان الطبيب يعاينه يوميا. خامرني في تلك اللحظة خاطر غامض بالقلق والخوف عليه، وتأملت ان يتجاوز المحنة. اتصلت في ما بعد للاطمئنان عليه في 2020/11/5 فردّ ابنه سيريل ليبلغني انه توفي صباح ذلك اليوم. هكذا رحل الشاعر والأديب الدكتور جوزيف صايغ (2020-1928) وصار في ذمة لبنان والكلمة والجمال والثقافة.  نكاد ان نلوم انفسنا لاننا تركناه يذهب من دون ان نقول له ما شعرنا به تجاهه من حب، من كبر، من تقدير. ولد في حارة الراسية (زحلة). تلقى دروسه الابتدائية والثانوية في الكلية الشرقية في زحلة ثم الكلية العلمانية الفرنسية بيروت. واكمل دراسته في الجامعة اللبنانية (1952) ثم الاكاديمية اللبنانية (1953). سافر الى فرنسا ونال دكتوراه في علم الاجتماع الادبي بعنوان “الظاهرة الاجتماعية الشعرية في وادي زحلة”، في جامعة السوربون بإشراف جاك بيرك.  بدأ في الكتابة منذ العام 1946. اسس الرابطة الفكرية في زحلة (1950) وكتب في جريدة “البلاد”. وكان في مجلس قضاء زحلة الثقافي. عمل في الصحافة وانتاج البرامج الثقافية في اذاعة باريس العربية. وفي لبنان كتب في “ملحق النهار” مقالات جريئة قتالية نارية ومتميزة تحت عنوان “سوف ترى”. وكتب لمجلة اذاعة لبنان. واسس الملحق الادبي لجريدة “الانوار”. وترأس القسم الادبي لمجلة “الجديد”. اسس “التعاونية اللبنانية” وكات دار نشر مميزة للكتاب المستقلين. كما اسس ايضا المؤسسة العامة للمؤلفين بالعربية (1991). عندما تولى غسان تويني وزارة الانباء طرحه مديرا للبرامج في الاذاعة ولم يتم ذلك. كتب في “النهار العربي والدولي” في باريس 1980-1978 وحاز الوسام الوطني الفرنسي للفنون والاداب ووسام الارز اللبناني.  كتب شعرا: “قصور في الطفولة” (1962)، “المصابيح” (1972)، “كتاب ان – كولين” (1973-1974)، “الشاعر” (1979)، “ثلاثيات” (1984) “العاشق” (1988) “القصيدة باريس” (1992)، “الديوان الغربي” (1993)، “الارض الثانية” (1995) “زحلة القصيدة” (2002)، “المؤلفات الشعرية الكاملة” (2004)، “قيلولة الصل”، “قصائد من الشمال”، “الرقم واللازورد”، “رصائع”، و”ارز”.  كتب في النثر: “سعيد عقل واشياء الجمال” (1995-2003)، “مجرة الحروف” (2007)، “معيار الجنون” (2007)، “حوار مع الفكر الغربي”(2012)، “الوطن المستحيل” (2013)، “ضريح  للقرن العشرين” (2017) ، “الشموع” (شعر باللبناني 2019)، و”يوميات بلا ايام” (2019).    كان في كل كتاباته يولي الدقة والاناقة والتزيين ما يستحق. وكان منهمكا في ايامه الاخيرة في اعداد “كتاب ان – كولين في مراياهم”. وفي كل ما كتب كان لديه صفاء اللغة ونقاؤها وزخمها وعمقها واساسها الفكري. جلسنا معا طويلا في تحضير كتبه الاربعة الاخيرة التي صدرت عن “دار نلسن” أكان على شرفة بيته في عين المريسة او في زحلة. وكان له الفضل في اصدار الاعمال الكاملة لجوزف نجيم وكتابين في الشعر لريمون قسيس والياس عشي وكتاب لجوزف مهنا. عمل بكل همته وخبرته ومحبته للكتاب. واشهد على غيرية نادرة في بلادنا. اثارت كتاباته في “ملحق النهار” الصدى والردود والسجالات. وكان دائما جريئا ومتمردا ورافضا وعنيفا بنقده، على موضوعية وعمق ومعرفة، داعيا الى الثورة. روي لي غير مرة لقاؤه بالعميد ريمون اده مع انسي الحاج في مكتب غسان تويني في “النهار”. فسأله اده “ماذا تريد يا جوزف؟ فقال: مشكلتي مع الجغرافيا في لبنان كيف يمكن لهذا البلد ان يعيش بين اسرائيل وسوريا. فقال اده: لا حل لي لهذه المشكلة. وانت يا انسي؟ اجابه انسي الحاج: “اريد ان اتلذذ بشتيمة السياسيين في هذا البلد”.   ذات مرة في ندوة حول كتابه “حوار مع الفكر الغربي” سألته من على المنبر بعدما قال: “خمسون سنة في فرنسا ولم اطلب الهوية الفرنسية”، وماذا تريد من لبنان بعد. قال: “قبر امي وزحلة وشبابي”. وسأل: “كيف يمكن ان يدفن ابن امه في الثرى وينام في سريره؟”. كان لديه التزام فكري عميق بوجوب التغيير في لبنان مترافقا مع يأس من امكان تحقيق ذلك. وبين حبه للبنان وكرهه لمفاسده وقف سلبا صرفا. وتساءل ماذا يربطني بلبنان وانا من الذين يتواطأ لبنان على ترحيلهم الى المهاجر. وكتب: “سقطت من علو 6000 متر ولم اجد لبنان في لبنان. ارفض كل شيء. هذا الوطن وهذا الانسان وهذا التاريخ ان لم يكن وطنا للروح وطنا للانسان.” قوة مقالات صايغ وحدة اسلوبه ناتجتان من صراع الواقع مع المثل لاجل الوطن المستحيل. وهو رفض هذا الواقع لانه ليس سوى “عملية تيئيس جماعية رائعة”.   يروي في مذكراته وقوفه مع سعيد عقل تحت قناطر متحف اللوفر في باريس. صمت سعيد مندهشا ثم قال: من اين نأتي بكل هذا للبنان؟ قال صايغ: من الشعر. فأردف عقل: “عافاك”.  كان جوزف صايغ كلفا بالجمال.  زحلة، باريس، المصابيح، ان كولين. كتب: “الشعراء وحدهم يعرفون لماذا يكتبون. ينتجون جمالا. وهل يمكن الوصول الى ذلك بدون سفر المرء الى ذاته في اطول رحلة الى اقرب مكان”. رأيته في زحلة يفتح باب بيته كمن يفتح حديقة العالم. قال: “بقيت خمسين سنة في باريس اغلق الباب خلفي ولا ألوي على شيء. ولكن في زحلة تدمع عيني وتندهني اصوات ووجوه وحياة أن عدْ. ورغم ذلك ادرك شعرا: “في الشعر احيا، انا بيتي هو الشعر/ كما بمسحور بلور الرؤى السحر”. وحده الشعر وحده الجمال يستحق العيش لاجله لا بل واحتمال الموت والحياة في سبيله.  “كتاب ان – كولين” انشودة شعرية غزلية لا مثيل لها في ادبنا. والمرأة فيها وليمة جمالية وجودية الهية. في كتابه “ضريح للقرن العشرين” تساءل كيف نكتب تاريخا للقرن العشرين كيف نؤرخ للتاريخ؟ وكتب عبارتين قاسيتين: “القناع الوحيد الذي يلائم وجه الانسان هو وجه المحكوم بالاعدام ينتظر التنفيذ. بالانتظار جميع المخدرات بتصرفه”، والثانية: “الفعل الوحيد الذي في امكان الانسان وليس في امكان الله هو الانتحار. بالانتحار ينهي الانسان اراديا ارادة الله”. وفي كتابه الاخير “يوميات بلا ايام” وصف الكلمة هنا بانها “مغامرة بوسيلة سيئة لبلوغ ما لا يبلغ”.   كنت يا صديقي جوزف اعزي بك نفسي لانك كنت تحلم بكتاب وتعمل على كتاب وتعيش افكارك وتسافر وتعود. وكلما اعطتك الحياة الوقت فلكي تزيد ما يمكن زيادته في الشعر والجمال والادب والفن والصداقة. وكنت اعزي نفسي بكلماتك “لان نكون وفدنا من لا شيء الى لا شيء. ونعمنا ما بينهما بمعجزة الحياة، وعرفنا الجمال وعشقناه… فانها لمغامرة بعد كل اعتبار تستحق ان تعاش”. عام 2014 كرمته زحلة بتمثال نصفي له في حديقة الشعراء. يومها قلت له: “العمر احلى من التمثال”. فقال: “القصيدة احلى من الاثنين”. اوصى جوزف صايغ بدفنه في ثرى زحلة حيث شجرات السرو تؤنس المكان.