نِتاجٌ يغفُو فوق اصفرار أَوراق

هنري زغيب
النهار
27102018

المؤْتمر الثالث للكُتَّاب الأَرجنتينيين من أَصل لبناني: “الهجرة والنتاج الأَدبي”، نَظَّمتْهُ جامعة الروح القُدُس هذا الأُسبوع، يفتح الأُفقَ رحيبًا للتوسُّع إِلى أَبعدَ من الأَرجنتين، باستجلاء النتاج الأَدبي في سائر أَميركا الجنوبية، للغنى الوفير في آثار أَعلامها، المعروف منها والْما زال مجهولًا، حتى ينكشف هذا الأُفق على عطاءٍ للبنانَ هناكَ جديرٍ نضِرٍ حتى اليوم، صحافةً وأَدبًا شعرًا ونثرًا وخبايا.

وإِذا كان الميلُ أَسطعَ إِلى نتاج أَميركا الشمالية، تحديدًا في الولايات المتحدة لانتفاء حضوره في كندا، فلأَن وهْج “الرابطة القلمية” (1920) كان هو المُستأْثر بالاهتمام، لِمَا أَطلعته تلك الكوكبة اللبنانية أَدبيًّا وصحافيًّا في نيويورك، ولِشُهرة عميدها جبران في آثاره العربية، ورفاقه ميخائيل نعيمة ورشيد أَيُّوب وإِيليا أَبو ماضي، وشخصية أَمين الريحاني الذي كان الكفَّة الأُخرى من الميزان.

غير أَن الكوكبة “الجنوبية” التي تشكَّلت في ساو ﭘاولو على اسم “العصبة الأَندلسية” (1932) لم تكن أَقلَّ نتاجًا ولا أَدنى إِبداعًا من زميلتها “الشمالية”، شكَّلَها أُدباء وشعراء مُخلصون للُبنانيتهم ولُغتِهم الأُمّ، لم تَصرفْهم أَعمالهم التجارية عن زرع بيارقهم في البرازيل والأَرجنتين والمكسيك وكولومبيا وسواها.

إِذا كانت الصحف العربية في نيويورك (“الهدى”، “مرآة الغرب”، السمير”، “السائح”، الفنون”،…) منابرَ أُدبائنا فيها، فمنابرُ الصحافة في أَميركا الجنوبية (“العُصبة” في البرازيل، “الخواطر” في المكسيك، الإِصلاح” و”الفصول” في الأَرجنتين، …) كانت بالغنى ذاته في نشر نتاجٍ أَدبي تَجلّى في قسمٍ منه كبيرٍ جسرَ تواصُل بين لبنان الأَرض الأُم ولبنان أَميركا الجنوبية.

وعدا مَجموعاتٍ ضمَّت كتابات الشاعر القروي وفوزي معلوف وشفيق معلوف وجبران مسعود وعقل الجر وشكرالله الجر وترجمات منصور شليطا، ما زال معظَمُ ذاك النتاج مشتَّتًا بين أَعمدة تلك المجلات والصحف وغاب اليوم مع غيابها. ولو اَنّ نتاج “الرابطة” النيويوركية بقي مشتَّتًا بين أَعمدة صحف نيويورك، ولم يصدر لاحقًا في مؤَلَّفات كُتّابها (خصوصًا مجموعُ مقالات جبران في “دمعة وابتسامة” و”العواصف” و”البدائع والطرائف”) لغاب هذا النتاجُ هو الآخر مع غياب تلك الصحف النيويوركية.

هذا الأَمر لم يتحقَّق ل”العُصبَويّين” في “لُبنانات” أَميركا الجنوبية، فنَدَرَ بينَهم مَن أَنقذَ نتاجه من بَرْد صفحات الصحف والمجلَّات ليَدفأَ بين دَفَّتَي كتاب. لذا بقي معظَمُ ذاك النتاج غافيًا فوق اصفرار أَوراقٍ يُواجه معها اليوم قدَرَه القاسي في نسيان صفحات مُصْفَرَّة مُبعثَرة هَنَّا وهَنَّا، يَتامى لا يَحضنها مأْوى يَجمعُها لتبقى مُزْهرةً في حدائِق الذاكرة.

ولولا قصائدُ ونصوصٌ لشاعر الأَرز شبلي ملَّاط صدرَت في تلك الصحف والمَجلَّات، لغابت عنا كنوزٌ أَدبيةٌ في تلك “المَهَاجر” الجنوبية، وفيرةُ الغلال بنتاج أُدباء لبنانيين يستحقُّون مؤْتَمرًا عنهم في لبنان، يُعيدُهم إِلى الأَرض الأُم التي أَهدَتْهُم إِلى تلك الديار فأَهْدَوها من بَعيدِهم ما تعتزُّ به الأُم في استذكار أَبنائها الأَوفياء.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*