الرئيسية / home slide / نُصوص في خدمَة لُصوص

نُصوص في خدمَة لُصوص

22-02-2021 | 00:03 المصدر: النهار

روني ألفا

نُصوص في خدمَة لُصوص

ورَقَتا نَعِيٍّ شرَمتُ الأسبوعَ الفائِت طَرَفيهما كعلامَة تَبليغ ناجِحَة. ورقَة تَنعي القَضاء وأخرَى  الدّولَة. لا ضرورَة لإحياء شَعائر اللطم والنّواح. موتُ الفَقيدان كانَ متوقّعاً ولا يُفترَض أن يَفجِعَ أحَد. كنّا نقولُ قبلَ إنفِجارِ المرفأ أنَّ القَضاءَ مسيَّسٌ مُنَزِّهينَ قلَّةً قليلَة مِن قضاةٍ قوسُ محاكِمِهِم أعلَى مِن أقواس نَصر السياسَة.  بعد الإنفِجار وما آلَت إليه ظروف تنحيَة قاضي تَحقيقٍ وتَعيينِ آخَر صرنا على شَفير بأنَّ القَضاءَ تحوَّلَ شانُه شأنَ أغلَب الإدارات العامَّة في لبنان إلى إدارةٍ تآكَلَها جِنزار التبعيَّة وصارَت في مَصاف المُقتَنى تملِكها السياسَة تبيعُها في صفقات تَبادل المَصالِح وتؤجِّرُها غبّ الطلَب لتصفيَة حِسابٍ أو كسبِ مودّةٍ أو تَحقيقِ أرباح. القَضاء في  لبنان بعدَ القِطاع المَصرِفي وقِطاع المرفأ انفجَر بمادّة أشدّ تشظيّاً من النيترات. فجّرته عِصابات في السلطَة عاثَت فساداً وإفساداً.ماتَ القَضاء أو كاد.هذا ليسَ مضبَطَة إتِهام ضدّ أحَد. نِظامُنا يعاني مِن خطأ كروموزومي غير قابِل للعلاج. فريد من نوعِه في العالَم مِن حيثُ قدرَتِه عَلى وضِع رموزِه خارِج الشّبهات. أيُّ لِصّ في السلطَة يمكِنه في ظلّ هذا النّظام المرعِب أن يزاوِل لصوصيّته بسلام. إنه نِظام الخطوط الحُمر والفيتو. في ظلّ حِمايَتِه  لا يَجِبُ إستِبعاد تَحميل ضحايا المرفأ تَبِعات استِشهادِهِم. شَرِكات التأمين تنتَظِر مثل هذه النتيجَة ربّما أيضاً لتطالِب بِعطلٍ وضَرر مِن زبائِنِها.. المَوتى. مَقابِر مفتوحة منذُ ستّة أشهُر ولم يعطِ القَضاءُ ولا أي إشارَة بسيطَة حولَ مالكي الشّحنة القاتِلَة. لا شيء عَمَّن سَرَق خمسَة عشَر طنّاً مِن النيترات على مَدى سِت سَنوات. لا شيء عَن كيفيَّة حدوث الإنفجار. لا شيء سِوى تَوقيف لعشرات الموظّفين وتلطّي خلفَ صلاحيَّة قاضي التّحقيق في تمديد مدّة تَوقيفِهِم إلى ما شاء الله بِهَدف..حِمايتِهم. شرمتُ أيضاً ورقَة نَعيِّ الدولَة. لأوَّل مرَّة منذُ مئَة سَنَة تَموت الدّولَة. مرّت بِاحتضارات كثيرَة خلال المئويَّة لَكنّها نَجت بقدرَة قادِر. مرَّةً أنقذها سايكس بيكو فجَعَلَ منها دولَة ورقيَّة على شكل منطقَة عازِلَة بينَ اليَهود في الكيان الصّهيوني وبينَ المسلمين في العالَم العَرَبي. سلّمها بيكو لطائفة حتى تعزلَها فقامت بالواجِب على أكمَل وجه. توقّعنا موتَها في بدايَة السّبعينات لكنّها زَمَطَت. أتتِ الحَربُ لتنتَقِم مِن بيكو وسايكس معاً وأرسَت بعد أن وضعِت أوزارَها نظامَ الطائِف. كرّس هذا المستحضَر عروبَة لبنان واستصدَرَ من دائرِة النفوس العربيَّة تذكَرَة هويّة لبلدنا بَدَلاً عَن ضائِع.  عاشَ لبنان النّظام ثلاثينَ سنَة عربياً. بحَثَ قبلَ أن يُسلِمَ الرّوح عَن أحفاد سايكس بيكو ليَستَحصِلوا لَه على هويّة جديدَة فاكتشفَ المرحوم لسوء فألِه أنهم منشَغِلون عنه بمآزِقِ هوياتِهم. أميركا مَشغولَة بِجورج فلويد وأوروبا بالبريكست والعرب برَبيعِهم. كلّما وَرَدهم طَلَب نَجدة من لبنان كانَ جوابُهُم لسُعاةِ الخير: ضعوه  في خانَة ” هويَّة قيدَ الدّرس “. ماتَ لبنان الذي كنّا نعرِفه لأنه لا يتحمّل أن يعيش مَكتومَ القَيد. طَبيعي أن يموتَ معه كلّ شيء. المصرِف والمرفأ والليرَة والمستشفى والفندق وكلُّ شيءٍ جَميل. أكثَر التّعابير دقَّةً لتَوصيفِنا هوَ أننا نازِحون وبالكاد. حتّى الشّعوب النازِحَة أفضَل حالاً مِنّا لأنّها هربَت من نِظام، مِن دولَة، مِن حاكِم. نحنُ في حالَة اللانِظام واللا دَولَة واللا حُكم. حتّى أسماء العَلَم الذينَ نتقيئُ أخبارَهُم هم إذا صحَّ التّعبير مثلَنا اي نازِحون وبالكاد. لا يمكن حتّى محاكَمَتُهم لأنها مَوتَى يمثِّلونَ دولَة ميتَة. يصح ربّما أنهم حفّارو قبور وحرّاس مَقابِر جَماعيَّة. مسؤوليَّتُهم تتوقّف فقط عَلى أخطاء في الحَفرِ والرّدم. حفرُ الأرضِ حيث نُدفَنُ ورَدمها لحفظِ رفاتنا. لا شيء سينبتُ على مقربة مِن مقابِر شهداء ومتضرري إنفِجارُ المرفأ. الجِنَحُ ستتوزّعُ عَلى بعض المَساكين مِن المَوقوفين. الجِنَحُ الأخرَى تتوزَّعُ على الأضرِحَة. المكافآتُ والسُّعُفُ الذهبيَّة سَتكون مِن نَصيب حفّاري القبور. خيطُ ضَوءٍ خافِتٍ وسطَ كلّ هذا الدّمار. صلاة إستسقاء جزمَة جديدَة. نحنُ أرضٌ خارِج التاريخ ننتَظِرُ كريستوف كولومبوس. لا بأسَ أن يجلبَ معه بعضَ القَراِصِنَة بأعينٍ عَوراء تعيدُ تَنظيمَ قَطيعِنا الفالِت.