نيسان كارلوس غصن

تزامنت نشأتنا في الصحافة مع قيام عالم جديد يسود فيه المنطق ويقترب المجانين السابقون من أحكام العقل وبداهة الطبائع، ففي ألمانيا الغربية تولّى العمل السياسي أستاذ مدرسة سابق في التاسعة والستين من العمر يدعى كونراد أديناور، راح يقيم الألمان من الكابوس النازي. وفي اليابان، أُنزل الإمبراطور من الشمس إلى غرفة الجلوس وطاقات البشر. وفي إفريقيا وآسيا، راح الاستعمار يجرجر عبوديته خلفه ويمضي عائداً إلى دياره البيضاء. وكان من حسن حظ العاملين في الصحافة آنذاك أن يتابعوا تبدلاً مبهجاً، حلّ فيه شارل ديغول محل هنري بيتان، وأديناور محل هتلر، ونِهرو محل الوَصي البريطاني، وخروشوف محل ستالين.

في هذا المتغَيّر العظيم، كانت اليابان أكثر الظواهر إدهاشاً. القساة والأفظاظ الذين احتلّوا جزءاً من الصين وكوريا واندفعوا نحو بقية آسيا الشرقية، رموا خلفهم صناعة السلاح وهمجية الحرب، ودخلوا إلى المصانع ينسخون ما لا يستطيعون ابتكاره، ويحققون أحلام ما قبل الحرب في إقامة إمبراطورية اقتصادية. وسرعان ما تحققت المعجزة واحتلّت اليابان المرتبة الثالثة عالمياً، فيما احتل الألمان المرتبة الثانية، وتمنّعت كلّ منهما عن صناعة السلاح ودخول العصر النووي. وفيما كانت الصناعات اليابانية تبدو مضحكة في بداية الأمر، أخذت تسيطر على الصناعات الأميركية في داخل الولايات المتحدة، وتجاوزت أوروبا بأشواط كثيرة. وتوزّع الباعة اليابانيون حول العالم ينحنون ويبتسمون ويملأون البيوت حول الكوكب بالسيارات والتلفزيونات وتجهيزات المطابخ. غير أن المنافسة، شرعة المتنافسين. وهكذا تعرّضت الصناعة اليابانية لهزّات كبرى طاولت في صورة خاصة السيارات. وفي هذا الوقت كان يظهر على المستوى العالمي ساحر يدعى كارلوس غصن. وكما أنقذ جاك نصر، اللبناني المهاجر إلى أوستراليا، شركة “فورد” الأميركية من قبل، هكذا دُعي نجل المهاجر اللبناني إلى البرازيل، كي ينقذ “نيسان” اليابانية.

دخل هنري فورد التاريخ عندما صنع للأميركيين ما عُرف باسم (T MODEL). وهو ما سمّيناه هنا لسنوات طويلة، “فورد أبو دعسة”. كان سرّ “أبو دعسة” أنه جعل السيارة في متناول الإنسان العادي، ولم تعد ملكيتها وقفاً على الأثرياء والمقتدرين. وهذا ما فعله كارلوس غصن في نهايات القرن العشرين، عندما جعل “الزوائد” في السيارة الحديثة في متناول الجميع. وأخرج اليابان من الركود وأوجد عملاً لأربعمئة ألف عامل. ومدّ خبرته وطاقته غير المسبوقة إلى شركات يابانية أخرى وإلى شركة “رينو” الفرنسية في وقت واحد. وجاءته عروض لا تُصدّق من الشركات الأميركية، لكنه فضّل التزام شركائه اليابانيين.

العام 1946، أصدرت الأميركية روث بنديكت كتاباً بعنوان “الأقحوانة والسيف”، أصبح الآن في طبعته الستين وربما أكثر. والطبعة التي لديّ هي الحادية والخمسون، الصادرة 1997. إنه دراسة عن التناقض في الطبع الياباني. فعندما تقول إنه “شعب مهذّب” بلا حدود، يجب أن تضيف أيضاً “إلاّ أنه وقح ومتغطرس”. وعندما تقول إنه “متشدّد بلا حدود”، لا بد أن تضيف بأنه “قابل للانسجام مع أي تغيّر”. وعندما تقول إنه “وفيّ وكريم”، يجب أن تضيف أنه “مخادع وحقود”. إن هذا الشعب المحب للفنون والشعر والأقحوان، هو أيضاً الشعب الذي يقدّس الحروب ويرفع السيف في وجه الجميع: “الأقحوانة والسيف” كلاهما جزء من صورة واحدة. الياباني عدواني إلى أقصى الحدود وغير عدواني إلى أقصى الحدود أيضاً، عسكريتاري وجمالي، وقح ومهذّب، مطيع ومتمرّد، مخادع ووفي شجاع وجبان، حداثي وشديد المحافظة.

عندما أفاق كارلوس غصن على قرع باب منزله في طوكيو قبل أيام، وجد عند الباب شرطيين و16 مدّعياً عاماً، جاؤوا يبلّغونه اعتقاله من جديد. هذا كان الياباني الحاقد والحاسد. الياباني الذي لم يطق فكرة انتصار الغريب في عقر داره، وعقدة أن يظلّ ممتنّاً له طوال العمر. يجب ألا ننسى أن هذا الياباني نفسه ذهب يضرب بيرل هاربر خلال الحرب العالمية من دون سبب معلن، سوى أنه لم يتحمّل أيضاً صورة نجاح الأميركي، فكان أن استدعى هزيمته بنفسه ودفع ثمناً لذلك قنبلتين ذرّيتين. درست روث بنديكت الطبع الياباني بناءً على تكليف من الحكومة الأميركية. ووجدت أن ضبط النفس المطلوب من الياباني لا مثيل له في أي حضارة أخرى. فالمرأة غير مسموح لها أن تصدر أي صوت وهي تضع مولودها، والرجل لا يجوز أن يصدر أي صوت مهما بلغ ألمه. وإذا ما ضرب فيضان قريةً ما، غير مسموح لأحد أن يبدي مشاعر الخوف، وعلى كل فرد أن يحمل معه الضروري جداً. وقد رأينا صورة مذهلة لهذا التصرّف قبل أعوام عندما ضرب تسونامي مدينة فوكوشيما. وقد أذهلنا ونحن نشاهد الأخبار كل يوم، الأطفال اليابانيون والنساء، يحافظون على هدوء وتماسك غريبين وسط الركام والخوف من تسرّب الإشعاع النووي.

إنها حضارة الساموراي. فإذا شعر الياباني بالجوع، عليه أن يتظاهر بأنه متضايق من التخمة، بل عليه أن يتظاهر بأنه ينظف أسنانه من بقايا الطعام. وقول المثل الياباني: “إن العصافير الصغيرة تبكي من أجل طعامها، لكن السموراي ينظف أسنانه بالعود”، كمثل تلك الحكاية التي رُويت عن نابوليون وطريقة تعامله مع جنوده. فقد قال يوماً لأحدهم وقد رآه إلى جانب الطريق: “هل أنت مصاب”؟ فأجاب الجريح: “مصاب؟ أعوذ بالله، إنني قتيل”. إنها بلاد الانتحار والهراكيري والكاميكاز، ولا شيء أقل من ذلك. عندما قصف الأميركيون طوكيو طوال سبعة أيام وكادوا يحرقون كل حجر فيها، أراد الجنرال الأميركي ماك آرثر أن يذلّ الإمبراطور، فجال معه في أنحاء العاصمة المحترقة ظناً أن الصورة سوف تشجّع اليابانيين على الاستسلام، إلّا أنه فوجئ بهم يهتفون للإمبراطور: “إياك أن تستسلم”.

قدّم اليابانيون للبناني البرازيلي الفرنسي كارلوس غصن شخصيتهم الحقيقية في صورتيها الدائمتين: الأقحوانة والسيف. فيما لم يقدّم لهم سوى حقل واسع من أقحوان نيسان. وقد حسب هذا الشاطر حساباً لكل الأشياء، سوى أن يرتدّ عليه اليابانيون بسيوفهم الكريهة، متظللين بالقانون. فإذا القانون يطاول أيضاً زوجته، ويعطيهم الحق في اغتيال شخصيته وتدمير سمعته ومعاملته كأي مجرم من مجرمي كولومبيا وتجار المخدرات أو القوّادين. نعرف أننا هنا في لبنان لا نستطيع أن نفعل الكثير من أجل كارلوس غصن، فإن فرنسا والبرازيل أقدر على ذلك، خصوصاً أن البرازيل تضمّ جالية يابانية كبيرة جداً مثل الجالية اللبنانية، لكننا نريد أن نقول للساموراي إنه إذا كان كارلوس غصن قد أساء الأمانة، فإنهم قد أساؤوا الخُلق والسلوك والبديهيات الإنسانية. وقد لاذوا بالقانون ليبرّروا الإجحاف والإنكار والثأر الرخيص. وكل انتقام في أي حال هو سلوك رخيص ومظهر من مظاهر الضعف والعودة إلى الغرائز.

أعاد السادة اليابانيون إلى الذاكرة صوَر زوّار الفجر الذين كان يرسلهم ستالين إلى رفاقه وأصدقائه والرجال الذين كانت لهم أفضال عليه. ولست أعتقد أنني سوف أندم على هذا الكلام ذات يوم أياً كانت النتيجة لقضية كارلوس غصن. لكنني بالتأكيد نادم على كل ما كتبت في الماضي عن هذه الأعجوبة الاقتصادية التي تُدعى اليابان. ونادم على سنوات الدهشة والإعجاب. بل أكاد أشعر أن صورة الياباني في الأفلام التي عرضها الأميركيون، هي صورة حقيقية. فما نفع النجاح إذا كان يخبّئ كل هذا الحقد الصغير؟!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*