الرئيسية / home slide / نوري الراوي… يتشبث بالرسم لمدن الفرات الغريقة

نوري الراوي… يتشبث بالرسم لمدن الفرات الغريقة

 جمال العتّابي
القدس العربي
20042021

نغم طليق تردده الحقول، غضٌ لا نهاية له، يالها من أضواء وعطور، وأيام لا تشيخ ولا تحزن، عجباً للنهر وهو يضحك، وأناشيد الصباح وهي تتردد، والريف الفراتي يتلألأ في صمته واشتعاله. والمنظر الأخضر يسبح في الضوء والزهر الحالم، وفي الزرقة الصافية يصدر صوت طليق حلو من أغاني الفلاحين، كتاب مفتوح يقرأه صباح كل يوم، ومنذ الأزل، لا تعرف أي يدٍ أولى هي التي صنعت كل هذا السحرووهبته للإنسان.
حين تودع المدن ملامحها وصفحتها البيضاء، بساتينها، وفراتها العذب، هناك من يمدَّ كفّه لينتشلها، ليجعل منها أرضاً تحتفظ بمعالم المدن التي تندثر، كما لو كانت قائمة منذ الأزل، وأهل هذه المدن (عانه، راوه)، نبتٌ آخر عريق على شواطئ النهر، نبت لو اقتلعته فستقتلع عصب الحياة.
الرسام نوري الراوي أحد الجذور التي امتدت في أعماق طمى النهر، ظل يناجي مدينته التي ستضيع، بلغة مشحونة بالألم: ماذا لديك الآن يا صاحبة الزمان، هل بمقدورنا أن نصون ماء وجوهنا، هل أخذت لنا الأمان؟ فأنت هالكة لا ريب، صلواتك الأولى.. دموعك.. لم ينشد الراوي لمدينته شعراً، بل رسمها، وهي حاضرة في كل أعماله الفنية، بفرشاة المتوسلين، يريدها أن تبقى، لم يكن بعلمه أن قدراً للمدينة يدفع بها نحو أذرع البلوى، فتغط في غَمام مكسورة، القباب والمنارة، الدروب الضيقة، غابات النخيل والنواعير، وكل العناصر التي تتشكل منها مفردات لوحة نوري الراوي. الذي كان منذ بداياته الأولى فناناً يرسم محلية المشهد، وظل مخلصاً له، حتى استقر عليه وأبدع لونه المتميز في إظهاره، رصيناً، واثقاً، إن نقل المشهد الطبيعي إلى اللوحة هو دون شك عمل درامي مثير، ويبرز دور الخبرة الجمالية لدى المتلقي، ليحسم الموقف لصالح الأثر الفني، أو العكس، وهو يمثل دور الاستجابة الانفعالية بدرجات، لأي شكل منظور أو أي موقف خارجي، ومن الجانب الآخر، يمتد هذا الدور على مقدار حساسية الفنان التي توصلنا إلى مرتبة الشعور بالقيمة الجمالية للمنظور الحياتي في الطبيعة وما وراء الأشياء.

من أعمال الفنان نوري الراوي

لمسات من الشعور الوجدي، لا بد أن تصاحب العمل الفني وتغنيه، هذا ما دأب عليه نوري الراوي، نبرة من نبرات ريشته، وجد صوفي، غنائي، رشيق، متوحد مع الذات، والكون اللامنتهي، إنه انتزاع العنصر الأبدي من تعبير اللحظة، كما يقول بودلير، وهو ما نستقرئ مؤثراته في هذا العالم الذي يتناوله الراوي ليخترق جدار الطبيعة ليرسمها. يا فرات، تبقى وحيداً، ماذا لو زلقت قدمي عند ضفافك في رحلة نسيان، سأبقى اشمّ رائحة الأرض، وأنت تقترب مني أو تبتعد، عرفتك وعبرتك، فدعني أغفو بين يديك، هبني ملحُكَ، وتدفقك لأرسم.
هذه المناجاة التي تتعلق بأدق المشاعر والعواطف الشخصية، هي ما تمنح الراوي تميزه عن غيره من الفنانين في انتقائه للعناصر، كما يختلف عنهم في موقفه الحسي والفكري، فالطبيعة تعني له أمراً آخر غير الشكل والضوء، وهو ما يدعوه إلى الركون في خلوته إلى تلك اللحظات الوديعة الصافية، ويختبئ في الذاكرة ينقّب فيها عن شكل يفرغ فيها حواسه وأمانيه وبيئته وحنينه. إن أغلب أعمال نوري الراوي هي نتاج براعة تقنية فائقة، يتمتع بها، وبتقديري أن التأثير البصري الذي انتجه الفنان كان بسبب اختيار اللون ومرونة الفرشاة، والنفاذ إلى أعماق الأشياء، وتسجيل المشاهد التي يحرص على أن لا تضيع من مخيلته الساحرة، ينقلها بدقة من مجاورته للأنهاروضفافها، لدورة النواعير، لدفقة الماء، قبل أن تغطّ المدينة في منام، وتهجع الطيور إلى أعشاشها.
اختار نوري نموذجه في البيوت الجصية كوحدة أساسية في التكوين، ودأب على الاستفادة من الشكل في خضوعه للمضمون، عفوية البناء، يمنحه بعداً إنسانياً، بملمس خشن يصور به الأبنية، واستخدامه للون البني ومشتقاته، هو أقرب بكثير إلى واقع أبنية المدينة، يستخدمه بانفعالية حرة يفرضها واقعه النفسي، ليفرغ شحنته الحسية، ومبالغته في التجسيد. إغراءات اللون في بيئة الراوي، ألوان خافتة تشعّ من ينابيع النهر، تتدفق من أعماق الظلال الشفافة في توافقات نغمية مع الانحناءات اللينة التي تفصل بين النور والعتمة، في جدران، القباب، وأقواس المنازل، وتكويرات الخطوط، أو من التدرجات اللونية لمئذنة جامع، أو أشجار نخيل تغمر الضفاف فتحيلها إلى ما يشبه سراب الصيف القائظ.

من أعمال الفنان نوري الراوي

الراوي حين يعلن تشبثه بالفرات، لم يستطع تحرير تلك العاطفة إلا بالرسم، وهكذا كانت رحتله الطويلة خلال أقاليمه، وجه الفرات، هو الذي يطالعنا دائماً في أعماله، مثل بكائية حزينة لا تنقطع.
كفاها المدينة إن توسدت الطلول، وداعاً وأنت تبتعدين عنا متشبثة بالصخر والتراب والجذور، لياذاً من طوفان وشيك سينالك يوماً، وداعاً وأنت تفزعين إلى البراري، أزفت نهايتك، فخذها يا تراب، عدها إليك، أنخ تلولك عليها مرة أخرى، إبتلعها، أجهز على هذي الغريقة في خضمك يا ماء.

كاتب عراقي