نوتردام الشاهدة على انتصارات فرنسا وانكساراتها

مدى 850 سنة، كانت كاتدرائية نوتردام في باريس، التي تحولت بفضل فيكتور هوغو رمزاً شعبياً إلى جانب بعدها الديني، شاهداً على تحولات التاريخ بانتصاراته وانكساراته، إلا أن الاثنين الأسود كاد أن يمحو أثرها لو لم تنج بأعجوبة.

ساعات رهيبة عاشها الفرنسيون أمام واحدة من أكثر الصور الحيّة فظاعة منذ اللقطات المباشرة لهجمات 11 أيلول 2001 في الولايات المتحدة. ألسنة اللهب تلتهم أمام أنظار الملايين الذين تابعوا الحدث مباشرة على شاشات التلفزيون، سقف الكاتدرائية العملاقة الواقعة في العمق التاريخي للعاصمة الفرنسية.

وشب الحريق قرابة الساعة 16,50 بتوقيت غرينيتش في الكاتدرائية القوطية، وغطت المكان سحابة كثيفة من الدخان، وانتشرت النيران في الأجزاء العليا وسرعان ما تسببت كتلة اللهب بانهيار رأس قبتها الذي كان يناطح السحاب بارتفاع 93 متراً ويهيمن على باريس المسيحية مجسداً قوة الكاثوليكية بلا منازع.

وحتى ساعة متقدمة من الليل، كانت النيران لاتزال مشتعلة. ولكن بعد توقعات مخيفة أنه لن يبقى شيء من هذا الصرح، نجحت أجهزة الإطفاء نتيجة جهود مضنية في إنقاذ برجي الكاتدرائية وهيكلها.

وكشف التأثر الذي ظهر على الباريسيين ودموع البعض واحتشادهم على الجسور التي تصل ضفتي نهر السين، ما يكفي عن أهمية الكاتدرائية بالنسبة الى الفرنسيين، بما يتخطى الطابع الديني لهذه الكاتدرائية التي تعد من الاشهر في العالم ويزورها سنوياً 13 مليون سائح ومؤمن.

وأمكن إنقاذ القطع الفنية، وكنز الكاتدرائية، إلى الذخيرة الأهم فيها، وهي إكليل الشوك الذي طوّق جبين المسيح لدى صلبه والمؤلف من “دائرة مصنوعة من النبات مجموعة على شكل حزم مربوطة بخيوط ذهب قطرها 21 سنتيمتراً كان عليها الشوك” على ما جاء في موقع الكاتدرائية . وإلى الإكليل، أنقذ من النيران رداء القديس لويس المحفوظ فيها أيضاً.

وقال فيليب لوفيفر، وهو أحد عازفي الأرغن الثلاثة في الكاتدرائية، إن الأرغن الكبير فيها “لم يحترق”، وإن تكن بنيته قد تعاني أضراراً نتيجة الكارثة “لأن الركام والغبار والمياه تغطيها”.

وأتاحت صور جوية رصد حجم الأضرار، وخصوصاً على مستوى السقف الذي دمّر بغالبيته. وأفلتت التماثيل في 12 التي تزيّن السقف، بأعجوبة من الكارثة بعدما نُقلت الأسبوع الماضي إلى مكان قرب مدينة بيريغو في جنوب غرب فرنسا لترميمها. لكن الحظ لم يحالف قطعة الديك الذي كان على رأس القبة المنهارة.

وكان انهيار هيكل الكاتدرائية سيشكل مأساة للفرنسيين والتراث العالمي، وخسارة كبيرة للذاكرة الفرنسية، لما يختزنه هذا المعلم من ذكريات عن رجالات فرنسا الكبار وأحداثها التاريخية، امثال الملك شارل السابع وجاندارك والملك هنري الرابع واللاهوتي الفرنسي بوسويه والثورة ونابوليون بونابارت وحرب التحرير والجنرال شارل ديغول، وخصوصاً من الذاكرة الشعبيىة عن كازيمودو وفرولو وإزميرالدا، أبطال رواية فيكتور هوغو، التحفة الأدبية التي زادت مجد التحفة المعمارية.

استمر بناء نوتردام قرابة ثلاثة قرون، من الثاني عشر الى الرابع عشر، بين 1163 و 1245، وظلت طوال العهد الملكي إحدى الكاتدرائيات القليلة التي تُوج فيها بعض ملوك فرنسا، لتميزها المعماري وموقعها وثراء محتوياتها وأيقوناتها وكنوزها.

عام 1558 تزوجت فيها ماري ملكة الاسكوتلنديين من فرنسوا الثاني. كذلك فعل عام 1572 ملك فرنسا هنري الرابع. وحرص نابوليون الأول على أن يتوّج فيها عام 1804. وفيها أيضاً تزوج حفيده نابوليون الثالث. وبعد الثورة الفرنسية خاف الباريسيون من أن يؤدي المنطق الثوري من جهة وتحالف الكنيسة الكاثوليكية مع العهد الملكي من جهة أخرى إلى الإساءة إليها، لكن ذلك لم يحصل، ولم يُسجل سوى اختلاسات لبعض المحتويات، وقت كانت الكنائس تتحول أقبية والأجراس تذوّب لصنع مدافع.

وفي القرن العشرين، مثلت الكاتدرائية رمزاً لنضال الفرنسيين ضد الاحتلال النازي. فمع أن الكاردينال سوار استقبل فيها االماريشال فيليب بيتان المتعاون مع الايمان، بدأ لاحقاً تحرير باريس من قرب ساحتها مع انتفاضة الشرطة، واستمر مع وصول الجيش الى مسافة قريبة منها أمام مقر بلدية العاصمة “أوتيل دو فيل” في 24 آب 1944 . وفي ذلك اليوم تحديداً، قرع جرسها إيذاناً بالتحرر من نير النازية.

زواج هنري دونافار الذي صار هنري الرابع ونارغريت دوفالوا، الأميرة مارغو في آب 1572 على منحوتة تعود الى القرن التاسع عشر. (ليبراسيون)

فيها أعلن الشاعر والدبلوماسي الفرنسي بول كلوديل إيمانه المسيحي. وفيها أقيمت جنازات شخصيات مرموقة منها الجنرال ديغول، والرئيسان الفرنسيان سابقاً جورج بومبيدو وفرنسوا ميتران. وبين نوافذها الوردية والملونة وزخارفها انتحر الكاتب اليميني المتطرف دومينيك فينير، واليها لجأ الفرنسيون بعد هجمات تشرين الثاني 2015 في باريس.

وعلى رغم أن الكاتدرائية ألهمت الكثير من القصائد والنصوص والأعمال المسرحية والموسيقية والأوبرالية التي استحضرتها بجمالها الباهر، إلا أن رواية فيكتور هوغو “أحدب نوتردام” بقيت التحفة الادبية التي تماهت مع عظمة هذه الكاتدرائية وتاريخها الذي مرت عليه العصور، والحقب المختلفة والحروب والمآسي.

قداس في تشرين الثاني 1018.

عام 1999، أدرجتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة “الاونيسكو” على لائحة التراث العالمي، بعدما صارت قبلة للسياح يأتونها من مختلف أنحاء العالم لتصير أكثر الكاتدرائيات الأوروبية مقصداً للسياح.

وعنهاـ قال المؤرخ فابريس دي ألميدا على القناة الثانية للتلفزيون الفرنسي “فرانس 2”: “إنها ذاكرة باريس، إنها سفينة من حجر اجتازت التاريخ”.

وصباح أمس الثلثاء، كان الحريق قد أخمد تماماً، واستبعدت السلطات فرضية أن يكون عملاً متعمداً، مع بدء تدفق التبرعات لإعادة بناء هذا الصرح التاريخي.

وبلغت التبرعات المتنوعة للأثرياء والمجموعات الصناعية الفرنسية الكبرى لتمويل إعادة إعمار كاتدرائية نوتردام 600 مليون أورو.

لم يستفق الفرنسيون بعد من هول الصدمة، ومع ذلك بدأت التساؤلات عن السبل الكفيلة بتأمين صمود هذا البناء. بيد أنّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أعلن لدى زيارته محيط الكاتدرائية أنّ “الأسوأ تمّ تجنّبه… و”سنعيد بناء نوتردام”.

monalisa.freiha@annahar.com.lb

@monalisaf

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*