الرئيسية / home slide / نواب أثقال على كتلهم… همّهم مرضاة زعيمهم والمتعهدين الكبار

نواب أثقال على كتلهم… همّهم مرضاة زعيمهم والمتعهدين الكبار

مرّت سنتان من عمر ولاية مجلس النواب تمكن خلالهما من إقرار عدد لا بأس به من القوانين وإن لم يأخذ بعضها طريقه الى التطبيق في الوزارات والادارات نتيجة الخلافات التي تنخر العلاقات بين مكونات الطبقة السياسية التي لا تعرف العيش الا على وقع المناكفات وتصفية الحسابات والعرقلة حتى لو كان الأمر على حساب البلد. لم يتمكن المجلس من اثبات الصورة الحقيقية لنوابه لأسباب عدة انعكست على انتاجيته في الاشهر الاخيرة من جراء حركة التظاهرات، فضلاً عن ازمة كورونا. ومن عاصر او قرأ عن جيل النواب المخضرمين من راحلين وسابقين يصاب بصدمة وهو يعاين نواب ما بعد الطائف من دون تعميم هذا الحكم. وكانت الكتل وطنية آنذاك الى ان تحولت طائفية على رغم تطعيمها ببعض الوجوه.

ثمة ثلاث فئات في المجالس المتعاقبة منذ الاستقلال تتمثل في الزعماء والمشرّعين و”نواب الخدمات”. وبرزت وجوه نيابية كبيرة في الستينات من القرن الماضي ابان ولاية الرئيس فؤاد شهاب، اي في العصر الذهبي للتشريع، حيث برز أعلام من امثال أنور الخطيب وموريس الجميل وغيرهما. في النصف الاول من ولاية المجلس الحالي، لا بد من الاقرار بأن لجاناً نيابية كانت على مستوى رفيع من العمل والانتاج خصوصاً في الادارة والعدل، المال، الخارجية والدفاع إذ تشكل هذه اللجان الاربع العمود الفقري للمجلس وواجهته. وما زاد فاعليتها ان من يترأسها متابعون وجديون ومجربون في حقل التشريع. وتعمل بقية اللجان بدرجات أقل او “على القطعة”.

في الجلسات التشريعية يتم اكتشاف النائب النشيط والمثابر والمتميز عن نواب هم “ضيوف شرف”. وهؤلاء ينضوون في أكثرية الكتل حيث لم يعثر لهم على أي انجاز نيابي او مشاركة فاعلة في انتاج قانون او متابعة ملف. لم يسمع اللبنانيون اصواتهم، وربما من حسن حظهم بعدما نزل هؤلاء بالباراشوت الى ساحة النجمة حيث لا همّ عندهم سوى ارضاء رئيس حزبهم وتأدية الطاعة له، ويشكلون أثقالا زائدة على هذه الكتل، فضلاً عن انهم لا يملكون حضوراً تمثيلياً في دوائرهم.

لم يخلُ المجلس في الماضي من هذا النوع من النواب، لكن السابقين كانوا يتمتعون بجملة من الميزات ولم يقصّروا في تقديم الخدمات لناخبيهم، ومن هؤلاء: جوزف سكاف، الياس الخازن، موريس زوين، ميشال ساسين وسليمان العلي وغيرهم، إذ كانوا يشكلون رافعات للوائحهم. ومن يعاين عن قرب مسار جلسات التشريع يلمس بأم العين تراجع المستوى. ومن الظلم لنواب راحلين مقارنتهم بنواب حاليين، ودائما من دون تعميم. ويتذكر اللبنانيون قامات حلّت في دورات عدة، منهم من نجح في دورة 1972 وحلّق، من ابرزهم: عبده عويدات، نصري المعلوف، جوزف شادر، أوغست باخوس، بهيج تقي الدين، نديم نعيم، خاتشيك بابكيان، البر مخيبر وغيرهم، واطال الله أعمار حسين الحسيني، حسن الرفاعي، مخايل ضاهر، ادمون رزق وبطرس حرب.

بعد الطائف هبط المستوى النيابي رغم حلول نواب مرموقين كانوا على المستوى التشريعي المطلوب، في مقدمهم الرئيس نبيه بري ونائبه ايلي الفرزلي، سليم الحص، بهيج طبارة والراحل نسيب لحود وغيرهم. وحلت ظاهرة “النواب الودائع” بفعل تدخل السوريين.

Volume 0%This ad will end in 45 

ان اجراء هذه المقارنة بين برلمانات الامس واليوم قد تظلم نواباً حاليين يعملون ويجتهدون حيث لا يتغيبون عن جلسات لجانهم ولا اللجان المشتركة، ويتحولون نجوماً في الجلسات التشريعية خلال مناقشتهم شؤونا مالية ودستورية، في وقت ينشغل زملاء لهم بمراجعة الرسائل على هواتفهم اثناء الجلسات وكأن شيئاً لا يعنيهم. ولا بد من الاعتراف بان نواباً كثيرين وفي عز زحمة مناقشة القوانين، لا يكونون على اطّلاع عليها ولا يكلّفون أنفسهم عناء قراءتها ولو من باب الحشرية. ويشعر المراقب هنا بان هؤلاء لا علاقة لهم بما يدور من حولهم الى درجة ان نواباً يتعاطون مع المواضيع المطروحة وكأنها تحصل في برلمانَي جزر القمر ومنغوليا. وكفى الله المؤمنين اللبنانيين المعذبين شر القتال والتشريع على ايدي هؤلاء. ولا يخجل نواب هذه الفئة من انهم لا يعيرون التشريع الاهتمام المطلوب ولم يتعلموا رغم حلولهم في اكثر من دورة، وتراهم يدخلون الى المجلس باستعراضات امام عدسات المصورين. وليعلم الناخبون والزعماء الستة او السبعة الذين يأتون بهذه التشكيلة انهم يشاركون في قهر قواعدهم ونحر البلد وأهله.

وثمة نواب درجوا اخيرا اثناء تقديمهم التعازي في الكنائس والحسينيات والبيوت على تصوير أنفسهم مع أسرة الراحل ليضعوا هذه الصور على صفحات منصاتهم. ويقوم احدهم باجراء جردة لعائلات المتوفين في دائرته في عطلة نهاية الاسبوع، وهو في المناسبة لم يحصل الا على حفنة من الاصوات التفضيلية في الانتخابات الاخيرة. كل ما يهم هذه الفئة هو، بعد نيل ثقة زعيمها، مد شبكات صداقة مع كبار المتعهدين ورجال الاعمال في الجمهورية وتمضية العطلات معهم في الخارج، والسفر الى اسبانيا او ايطاليا لحضور مباراة في كرة القدم او القيام برحلة صيد في رومانيا ومولدافيا مقابل خدمات متبادلة.

في تشريح لاعمال النواب وقدراتهم، بات من الصعب على رؤساء الاحزاب الإتيان بهذه الفئة من غير المنتجين الذين يكبّدون الخزينة وجيوب المواطنين من دون طائل.

وفي النهاية يبقى الناخبون اول من يتحملون مسؤولية هذه الخيارات الخاطئة، ولن يقدر الاقطاب على الاستمرار في هذه العدة من الشغل. فالبلد غني بالطاقات، وما المانع من انتخاب وجوه كانت لهم تجارب لامعة بدل انتخاب نواب بالاكراه لا يتركون أي بصمة في المؤسسة التشريعية الأم، وحرام ان تطأ اقدامهم درج مدخل المجلس. ولن يرحم التاريخ زعماء لبنان على الكثير من هذه الخيارات إذ بدأت قواعدهم تردد الى جانب شرائح واسعة من المستقلين شعار: “حسّنوا النسل النيابي”.

radwan.aakil@annahar.com.lb