الرئيسية / home slide / نمور آسيا هم الأذكى

نمور آسيا هم الأذكى

سوسن الأبطح
أستاذة في “الجامعة اللبنانيّة”، قسم “اللغة العربيّة وآدابها”، صحافيّة وكاتبة في جريدة “الشّرق الأوسط”
https://aawsat.com/home/article/2675791
11122020

ينتظر التربويون كل أربع سنوات نتائج اختبارات «تيمز» الدولية للطلاب، في الرياضيات والعلوم، التي تجريها جامعة «بوسطن»، لمعرفة من يتربع على عرش ذكاء العالم. ولا غرابة هذه المرة أيضاً، من أن نرى نمور آسيا يسبقون الجميع، ويتركون وراءهم، وعلى مسافة كبيرة، أوروبا وأميركا، وينالون الدرجات الأعلى. وعلى رأس اللائحة جاءت سنغافورة التي باتت قدوة في نظامها التعليمي المتفوق والخلاق، تليها هونغ كونغ ثانية، ثم كوريا والصين واليابان. لنتأكد، إثر هذه النتائج، من أن انتصار هذه الشعوب على وباء «كورونا»، مقارنة بالارتباك الغربي، لم يكن صدفة، وأن العلاقة بين المهارة في الرياضيات والقدرة على حل المشكلات، هي حقيقة لا بد من احترامها والعمل بموجبها.
شارك في الاختبارات التي تجرى لطلاب الصفين الرابع والثامن، هذه السنة، 62 دولة، و600 ألف تلميذ. وصدمت مؤشراتها البعض، مثل الفرنسيين الذين جاءوا في ذيل اللائحة الأوروبية، ولم يعن بها اللبنانيون، مع أنهم تراجعوا بقوة، وأفرحت البعض الآخر، مثل الدول الخليجية والأردن التي تقدمت بشكل طفيف. لكن للموضوعية، لا تزال الدول العربية جميعها في المؤخرة، وتحتاج جهداً وكداً لتجتاز المائة نقطة ويزيد التي تفصلها عن المراتب الأولى.
وكي لا نظلم أنفسنا، فإن المستوى المتقدم فعلياً، لم يبلغه سوى ما يقارب 7 في المائة من الطلاب الممتحَنين، حول العالم، وغالبيتهم الساحقة من آسيا. وبقيت علامات 92 في المائة من طلاب العالم عند سقف منخفض في الرياضيات. ولا بد من الإشارة إلى أن روسيا تأتي مباشرة بعد اليابان، وهي تخترق الصف الأول في العلوم، وهذا يسجل لها. وتمكنت بريطانيا من تحسين ترتيبها، بعد أن لجأت إلى تطعيم تعليم الرياضيات لديها بأساتذة صينيين منذ عام 2014، وأوفدت أساتذتها إلى شنغهاي رغبة في تطوير مهاراتهم التعليمية، بعد أن قدرت الخسائر التي تتكبدها بما يقارب عشرين مليار جنيه إسترليني في السنة، بسبب ضعف المهارات عند خريجيها. وتمكنت بريطانيا بالفعل من القفز من المركز الـ26 عالمياً إلى المرتبة التاسعة، وهذا في زمن قياسي، رغم المخاوف التي كانت لدى البعض من قسوة النظام الصيني، وعدم ملاءمته للمزاج الإنجليزي.

أما أميركا التي أدركت باكراً ضعف طلابها وقصورهم عن مواكبة مراميها الاقتصادية ومكانتها كمركز مالي للعالم، فقد اتجهت بعض مؤسساتها منذ مطلع القرن الجديد إلى سنغافورة، للاستفادة من نظام يخلط بين الرياضيات النظرية والتطبيقات العملية، ويعطي التلميذ الوقت الكافي لاكتساب المهارة وتثبيتها، قبل الانتقال إلى غيرها. وكما بريطانيا حققت أميركا تقدماً لكنه بقي طفيفاً، وهي لا تزال في المرتبة الرابعة عشرة في الرياضيات، خلف عديد من الدول الأوروبية.
تغيرت طبيعة اختبارات «تيمز» بمر السنين، وأصبحت أقرب إلى عصرها وحاجته. ولم تعد محصورة بالعمليات الحسابية التقليدية في الجبر والهندسة، وأضيفت إليها متطلبات معرفية ومهارات التفكير، والقدرة على الاستنباط، مما جعلها أصعب على المتمسكين بالمناهج العتيقة.
والكلام عن علم الرياضيات «أبي العلوم» جميعاً، وأحد أصعب الفنون، يقود إلى الحديث عن الاهتمام المتزايد بطريقة تعليمها، باعتبارها مفتاحاً رئيساً لتأهيل جيل قادر على التعامل مع مشكلات العصر. فلا علم بيانات، ولا إحصاءات أو صناعات أو اكتشافات من دون رياضيات. ولم تكن الإنترنت لتولد أصلاً، أو للفضاء أن يُغزى من غير هذا العلم الذي هو أساس كل عملية عقلية منظمة. وبما أن أن تلامذتنا لا يزالون يسألون: ما فائدة الرياضيات؟ فهذا معناه أن العثرة المعنوية قائمة، والخطوة الأولى هي أن يفقه المتعلم جدوى ما يحتاج الصبر عليه. وهذا تماماً ما حاولت أن تحله سنغافورة قبل ثلاثين سنة، حين غيرت مناهجها، لتمد جسوراً بين العمليات الحسابية الجافة، واستخداماتها الحياتية النابضة، بدل البقاء في المجرد والمعادلات التي لا يعرف التلميذ أين يوظفها في يومياته.
هذا لا يعني أن خلاصات «تيمز» منزهة عن الخطأ، وكل ما تأتي به مسلَّم بأمره. فأدق العلوم تبقى تقريبية. وثمة أميركيون حانقون من النتائج، ويرمون التهم على اختبارات لا تزال تضع آسيا في المقدمة، وأميركا خلفها، ويعتقدون أنها ترسخ وهماً بالبناء على مقاييس غير مقنعة. لكن هؤلاء قلة، والترحيب يبدو كبيراً بمشروع منظم يجمع منذ أربع وعشرين سنة، بيانات تربوية، يحللها، ويعطي نصائحه، ويؤشر إلى العثرات، ويحفز على التطوير والمنافسة. المعلومات التي جمعت، تبين أين يتفوق الذكور، ومتى يجب أن تشجع الإناث، وأين الخلل عند الأستاذ، وما هي العقبات عند التلميذ. ومما بتنا نعرفه وكان غائباً عنا، أن 70 في المائة من أساتذة الصف الثامن، عالمياً، لا يمتلكون الخبرات التكنولوجية الكافية لنقل الطلاب إلى مرحلة التعليم الرقمي، وأن نسبة مماثلة من الطلاب تعيش في منازل لا توفر لها الأدوات العلمية اللازمة، أو الأجواء المناسبة.
أما العرب تحديداً، فمشكلتهم مع تعليم الرياضيات برموزها ومعادلاتها، يمكن أن تقاس على معضلتهم في تعليم العربية، بقواعدها ونحوها. فكما نعلِّم اللغة منزوعة من سياقها المعيشي الذي يضخ فيها الحياة ويجعلها جذابة ومحببة، نسلخ عن الرياضيات وظائفها وغاياتها التي تمتد لتتفرع إلى كل مسألة يمكن أن تعترضنا. فأصحاب الذهن المدرب على المنطق منذ الصغر، بمقدورهم استخدام الآليات التي تعلموها بعد سنوات كجزء من أدوات التفكير التلقائية. وعكس الذهن الرياضي العلمي، هو الفكر الخرافي في التحليل والتعليل. وليس أمامنا والحالة هذه إلا أن نختار بين نموذجين، جربنا ثانيهما وفشلنا، بينما لا نزال في إرباك أمام الأول، مع أنه المخرج الوحيد لتحرير أطفالنا من قيود حكايا الجن والعفاريت.