الرئيسية / home slide / نموذج الرحالة العراقي الموصلي يونس بحري: إندفاعات ونتائج

نموذج الرحالة العراقي الموصلي يونس بحري: إندفاعات ونتائج

عبدالواحد لؤلؤة
القدس العربي
24102021

أحسب أن الاندفاع قد يكون فكريّا أكثر هياجاً من الاندفاع الجسدي. كما أحسب أن التعافي من هياج الاندفاع الفكري أكثر صعوبةً من التعافي من هياج الاندفاع الجسدي. واستعرض لذلك أمثلةً من الاندفاع الفكري غير محسوبةٍ إخفاقاتُه في النتائج، لأن المندفع فكرياً لا يرى في مسيرته غير سراب بَقيعةٍ يحسَبه الظمآن ماءً.
وقد يختلط الاندفاع الجسدي بالاندفاع الفكري بحيث يكون من الصعب إقناع المندفع باحتمال الانتهاء بمخاطر جسديةٍ وفكريةٍ، لأن النجاحات التي يُحققها المندفع جسديا ًوفكرياً أول الأمر تجعل من الصعب عليه الاقتناع بأن مسيرته قد تنتهي بإخفاق أو أذى كبير.
وأعرض مثالا ًعلى ذلك في مسيرة يونس بحري (1904- 1979) الرحّالة العراقي الموصلي الذي تفوّق على الرحّالة العراقي السندباد البحري البصري في كثرة رحلاته وتنوعها. وإذ كانت رحلات السندباد من بحر البصرة امتداداً إلى البحار الشرقية فإن رحلات يونس بحري قد أخذته حول العالم أربع مرّات بدءاً من عام 1923 في مساره نحو إيران شرقاً وإلى أفغانستان والهند وإندونيسيا والصين واليابان وأمريكا وكندا وبريطانيا وبلجيكا وهولندا وفرنسا وألمانيا ومصر وإلى العراق عام 1925 ثم إلى الكويت والسعودية واليمن عبوراً إلى أفريقيا وإريتريا والحبشة والسودان والجزائر والمغرب ثم إلى إسبانيا، وحمل علمَ العراق في مشاركةٍ لعبور بحر المانش سباحةً ولم يكن له تدريب أو إعداد لتلك المغامرة الخطرة، لكنه فاز بالمرتبة الأولى ومُنح جواز السفر الألماني الدبلوماسي.
أثناء هذه الرحلات في شتى بلاد العالم تعلّم يونس بحري17 لغة واكتسب 15 جنسية وتزوج أكثر من 100 مرّة، بعضُها زواج إسلامي وبعضُها زواج مدني، وأنجب 365 من الأبناء الذكور وعدداً غير معروف من البنات، وصار له أكثر من ألف حفيد وحفيدة. وأنا أعرف من هذه القبيلة اثنين من زواجه الأول من الموصلية مديحة: الإبن لؤي، الذي حصل على شهادةٍ عليا في الكيمياء من أمريكا وتزوج من أمريكية متخصصة في التاريخ الحديث، وكنتُ أعرفها من أيام دراستي في جامعة هارفرد، كما أعرف بشكل أكثر ابنته مُنى، التي كانت زميلتي في كلية التربية بجامعة بغداد.
هذه السيرة العجيبة لشخص نشأ في أسرة فقيرة في محلة سوق الصغير في الموصل القديمة، ولم يكمل المدرسة أو أية دراسة عليا، لكنه ذهب إلى اسطنبول في أول شبابه ودرس في المدرسة الحربية وتخرج برتبة ضابط بحري، ثم درس في ميونيخ عام 1921 وهناك تعرّف على هتلر يوم كان يحاول أن يكسب عيشه من الرسم على جدران المطاعم والمقاهي. ومرّةً تصَدّق عليه بما يعادل الدينار العراقي فحفظها هتلر له وساعده عام 1939 في تأسيس أول محطة إذاعة عربية في أوروبا بعنوان «هنا برلين حيِّ العرب». وكان يونس بحري يذيع منها كل مساء أخبار الحرب العالمية الثانية ويمجِّد انتصارات النازية ويهاجم الانكليز والقوات الأوروبية الغربية. وأذكر أنني مع أولاد الحي كنا نتجمّع تحت نافذة دار متي الّوس، الذي كان يضع الراديو الكبير على عتبة النافذة ونستمع إلى نشرة الأخبار من برلين. وقد شجّع ذلك بعض الفتيان على القيام بواجبهم الوطني في «محاربة المستعمر البريطاني» الذي كانت عرباته العسكرية تصطف عند الأرصفة ليلاً، فراح أحدهم وعمل من الخشب الصليب المعقوف النازي وصار يدور ليلا ًمع آخرين يحملون آنية من الماء الممزوج بصبغة حمراء، يغطون فيها «السواستيكا» ويطبعونها على العربات العسكرية البريطانية، واستمر هذا النشاط السياسي الوطني تغذّيه إذاعة يونس بحري كل مساء، على امتداد أربعينات القرن الماضي.
مثل هذا الاندفاع الجسدي والطواف حول العالم أربع مرّات واكتساب هذا العدد الكبير من اللغات والجنسيات والتعرّف على عدد من الشخصيات المهمة في العالم، ما كان لأحد أن يتوقع لهذه المسيرة إلاّ تتويجاً بالنجاح على المستوى الجسدي والفكري. ولكن النتيجة غير المنتظرة وغير المفهومة أن يعود إلى وطنه بعد انقلاب 1958 فيتّهم بموالاة العهد الملكي والعمالة للأجنبي فيُزَج في السجن ويحكم عليه بالإعدام، لولا تدخل بعض العارفين بفضل هذا الرجل فيُطلق سراحه ويقضي بقية أيامه في مذلّةٍ وفَقر. وإذ وافته المنيّة لم يجد من يتولى دفنه سوى البلدية، لعدم وجود من يقدم الأجور اللازمة للقيام بدفن هذا الرجل عديم المثال في العراق أو في غيره، لكن ذكرى سيرة هذا الرجل ونجاحاته تبقى في أذهان معاصريه ومن تبعَهم.
ومن أمثلة الاندفاع الفكري غير محسوب النتائج ما شاع في العراق في أوائل الأربعينات من الإعجاب بالنازيّة القائم على أمل هزيل بأن النازيّة تحارب الاستعمار البريطاني، لذلك فإن عدوّ عدوّي هو صديقي. وقد انقاد إلى هذا الهياج العاطفي عددٌ من شباب وكهول البلاد أثناء الحرب العالمية الثانية، وأنا أعرف منهم مُعلِّما في مدرسة ابتدائية، لم يكن يتمتع بذكاء خاص، لكنه انجذب نحو النازيّة ولم يلبث أن اكتشفوا أمره ففُصل من وظيفته ولم يجد ما يعتاش منه سوى فتح دكان لبيع الشاي والسكّر ولكن في وسط سوق الأقمشة.
وفي عقد الستينات من القرن الماضي ظهرت أفكار اجتماعية سياسية تقولبت حول مفهوم القومية والعروبة، راح يدعو لها حزب سياسي ازداد قوةً باستقطاب عدد كبير من الشباب المثقفين، وبعضهم من أصحاب الشهادات العلمية العليا. وكان ما يدعو إليه ذلك الحزب يلقى قبولا واستحسانا بين أتباعه، وما لبث أن انضم إليه عددٌ من الجَهَلة وعديمي الكفاءة والثقافة، وتسبّب ذلك في حركة نَخرٍ بطيء قادت الحزب وأتباعه إلى فقدان الكثير من احترام الناس، عندما وجدوا فرّاشاً في كُليّة يرتقي إلى مستوى الأمين العام في الجامعة، أو أن يجدوا عاملَ تنظيف في أحد البنوك يصل إلى مركز متقدم في الحزب ثم يتولى مسؤوليةً في الحكومة تتحَكّم في حياة الناس. ولكن لم يخلُ الحزب من بعض حَمَلة الشهادات العلمية العليا المُتمَتعين بالنزاهة وحُسن التصرُّف، ولكن العملة السيئة هي التي تطرد العملة الجيِّدة، حتى في سوق السياسة. من ذلك أن أحد الفضلاء المثقفين أُعطيَ مسؤوليةً كبرى في حكومة ذلك الزمان ولكن لم يلبث أن أطاحت به عوامل الغيرة والحسد وخوف بعض المسؤولين الأعلى من منافسة هذا الإنسان المتمَيِّز لمناصبهم التي لا يستحقونها في الأصل.
ولم يقتصر الاندفاع الفكري بل العاطفي، على أتباع التجمعات الوطنية والقومية بل إنه وُجِد بشكل أشدّ بين أتباع تجمّعات أو أفكار مستوردة من خارج ثقافة البلاد، هي في الغالب معلومات نصف مهضومة، لكنها تَستعمل عبارات وكلمات برّاقة تلعب على عواطف المحرومين والجَهَلة. وقد التحق بهذا التجمّع المستورَد عددٌ غير قليل من المثقفين، تغلّب عليهم أعداد أكبر من الجَهَلة، الذين وجدوا في وعود هذا التجمع أملاً في الخلاص من أوضاعهم السيئة وسبيلاً للانتقام من الحاكم. لكن الحاكم وَجَد في اندفاعات هؤلاء تهمةً يلصقونها بكل من أبدى اعتراضاً على ما تقوم به الحكومة، ولم يَسلم من ذلك طلبَةُ مدارس خرجوا في مظاهرات احتجاج على قرار تقسيم فلسطين الذي صدر عام 1947.
وفي العقود الأخيرة ظهر نوع من الحماسة والانقياد الأعمى لحاكم البلاد الذي لم يتردد في تجنيد حتى طلاب المدارس والجامعات للتجسس على بعضهم بدعوى الإخلاص للحاكم المنقذ. ولكن الزبَد لا يلبث أن يذهبَ جُفاءً ولكن على حساب ضياع وأذى المندفعين لخدمة هذا الحاكم المُنقذ. ولاتَ حين مَندم.