” نقلق من اجلكم” !

قد لا تشكل إثارة طبائع الطبقة السياسية في لبنان أي اكتشاف جدي يستحق التدقيق في شوائب تطبع معظم هذه الطبقة باستثناء قلة لا تزال تحتفظ بصدقية التزام الأقوال والأفعال . ومع ذلك فان موجات التأزم في عملية تأليف الحكومة ربما تكون أسفرت عن إحدى أكثر الغرائب من خلال الازدواجية السياسية الفاقعة المكشوفة التي تصدرها وتنتجها يوميات الازمة الحكومية . نعني بذلك حصرا المهزلة الجارية في تدفق تحذيرات المسؤولين والسياسيين من الانهيار المالي والاقتصادي واستعماله مادة توظيف دعائية من دون ان يواكب معزوفات التحذيرات وأجراس الانذار التي تصم الآذان اي فعل سياسي من شأنه ان يترجم امام الرأي العام الداخلي والخارجي استشعار الكارثة المتدحرجة .لا نظن ان ثمة بلدا في العالم لا يخشى فيه الزعماء والسياسيون محاسبة الرأي العام مثلما هي حال لبنان . ومع ان ظواهر ادارة ظهور الحكام للمآسي تملأ اربع زوايا الارض وتجتاح حتى الدول الغربية الاكثر عراقة في الديموقراطية فان سقوف هذه الظواهر تبقى قاصرة ولا تقاس بشيء امام التجربة الجارية في لبنان منذ انتخاباته النيابية وفتح ازمة تشكيل الحكومة على الغارب . قد يصاب الباحث باختناق ان جمع اناشيد التخوف والتحذير والتهويل والقلق والتنبيه وكل المفردات المتصلة بالذعر في شأن خطر الانهيار المالي والاقتصادي الذي بات الكابوس الاشد وطإة الذي يلازم اللبنانيين في كل لحظة منغصا عليهم كل ساعات أيامهم اكثر من شُح الموارد وهموم العيش ومتطلبات الحد الادنى من الحياة الكريمة . مع ذلك نجد أنفسنا كأننا امام اضخم مهرجان مسرحي رخيص نندفع فيه الى حيث يريد نجوم السياسة ان يأخذونا الى التصديق فعلا ان اولئك الذين لا يبدلون حرفا في روزنامة أيامهم المترفة ولا في أسفارهم وترحالهم ولا في اي مجال من مجالات الاستشعار مع الناس والتواضع في الحدود الدنيا اقله مراعاة للياقات التحسس مع اللبنانيين المذعورين من خطر الانهيار ، ان هؤلاء يعلمون وقلقون من اجلنا ! والحال اننا نلامس هنا مسألة محض شكلية قبل ملامسة فشل الطبقة السياسية برمتها في تأليف حكومة لن يبقى منها وان ولدت اي أثر إنقاذي للبنان ما دام استيلادها سيكون عنوان استسلام كامل لمحور سياسي اقليمي وليس نتاج مخاض ونقاش وحوار حقيقي لقيام سلطة انقاذية . نقول ان ادارة الفشل وإدارة الازمة بفشل تصاعدي يمكن ان تجد مبررات لها ان هي اعترفت بعجزها امام استقواء القوة القاهرة التي افتعلت آخر عقد التأليف وزجت فيها البلاد وأسرت معها الحكومة الموعودة كرهينة .لكن ما الذي يبرر اطلاق جميع المعنيين منظومات التحذير والتنبيه والتخويف من الانهيار فيما يستعصي علينا فهم هذا اللغز المحير الذي يطلق فيه المسؤولون عن منع الانهيار أجراس الإنذارات ولا يرى اللبنانيون فعلا واحدا او ممارسة مقنعة او مبادرة حقيقية انقاذية من شأنها رسم ملامح الصدقية فوق سقوف هذه الادارة المنهارة للازمة ؟ أغلب الظن انهم مطمئنون لانهم لا يخشون من يسأل لماذا لا يجري التشهير بمعطل الدولة والحكومة والبلاد ، ولانهم ايضا لا يخشون كابوس سترات صفر ولا حمر ولا من ينتفضون !

nabil.boumounsef@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*