“نقاش” الفشل والعد العكسي

نبيل بومنصف
النهار
24082018

ليست الثلاثة أشهر منذ تكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة الجديدة مدة استثنائية في تاريخ تأليف الحكومات في لبنان في الحقبات الاخيرة بل لا تزال العملية الجارية حاليا مدة معقولة وعادية قياسا بالمعيار الزمني السائد والرائج. ولكن ما يبدو جسيما في العمق غير الظاهر لسياقات أزمة التأليف هو ان مجمل الطبقة السياسية المنخرطة حتى العظم في سجالات الازمة وحساباتها المتصارعة والمتضاربة تكشف بما لا يقبل جدلا انها لم تخرج من الانتخابات الاخيرة التي أجزلت لها العطاء بأي تغيير حقيقي. والحال ان واقع الخطاب السياسي والاعلامي المرتبط بازمة تشكيل الحكومة بات يثير التقزز الحقيقي وسط تفاقم أزمات الناس واللبنانيين واقتراب البلاد من حافة انهيارات أكثر من خطيرة. هذا الجاري في تبادل السجالات والمواقف المتدرجة والمتدحرجة هبوطا وصعودا وما بينهما في يوميات الازمة الضائعة لا يعكس الا التخبط الهائل في بوصلة السياسات الداخلية بمعزل عن كل الاتجاهات السياسية والحزبية والتي تبدو بوصلة منفصلة تمام الانفصال عن هموم اللبنانيين وأزماتهم والأخطار المحدقة بهم وبكل الواقع السياسي والاقتصادي والمالي والاجتماعي والإنمائي والخدماتي. ليس مسموحا نظريا ومبدئيا طبعا بعد انتخابات نيابية كتلك التي حصلت في ايار الماضي بعد انقطاع تسع سنوات ان يظلل خطاب سياسي غارق في هذا الكم القبلي من التصارع على الحصص والأحجام والنفوذات والسيناريوات المرتبطة بطموحات بعيدة وقريبة المدى مآسي اللبنانيين الذين باتوا بين الشعوب الاكثر فقرا وابتلاء بفشل دولتهم وفشل نخبهم في التغيير وفشلهم هم كمواطنين وناخبين في تبديل الطبقات السياسية المتعاقبة على احكام قبضة انانياتها على رقابهم ومصائرهم. لا يعني الناس اليوم اي شعار من الشعارات الفارغة واللغو الفارغ الذي يملأ فضاءات السياسة والاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في ما يتصل بالحوربة السخيفة والعداء الاسخف بين قوى سياسية وحزبية وطائفية باتت لا ترى من كعكة الحكم والسلطة سوى الصراع المتمادي على المحاصصة في حين يتربص باللبنانيين أخطر سيناريو انهياري واسع لا يعلم احد ما اذا كان منعه ورده ووقف الهرولة اليه لا يزال ممكنا ومتاحا والى أي مدى زمني. كل هذا الخطاب الرسمي السياسي الحاكم والمحكوم والموالي والمعارض والاعتراضي، وكل هذه العنتريات والنفخ في الازمة وربطها بإبعاد خارجية واقليمية صارت اشبه بخردة عتيقة بالية لا تضرب وجعا ولا تمس نبضا عند الناس. ثمة جدل سياسي اعلامي خارج العالم الواقعي للبنانيين لا يمسهم اطلاقا. لا نسمع حاكما ولا مسؤولا ولا زعيما ولا نائبا ولا وزيرا يصوب البوصلة نحو الخطر الحقيقي المقترب بسرعة وسط عد عكسي آخذ بالتآكل يوما بعد يوم على وقع الأناشيد الحماسية المثيرة للشعبوية في ازمة تشكيل الحكومة. واذا ظنوا ان الوقت سيبقى متاحا وكريما وفاتحا أفضاله لاستعادة تقاسم الكعكة ومن ثم التفرغ للحصادات السلطوية الوفيرة فأخشى ما نخشاه على أنفسنا وليس عليهم من لحظة محسوبة هذه المرة وليست غير محسوبة تهبط معها كل التداعيات المخيفة بسرعة خاطفة فيما اهل بيزنطيا يفحصون جنس الملائكة!

nabil.boumounsef@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*