نفق البقاع : إن شاء الله الثالثة ثابتة

ستون سنة ونيف مرّت، لنعيد توجيه الشكر الى نواب البقاع.

لقد أقرّت السلطات (لا نعلم على أيّ مستوى بعد) إنشاء نفق يصل الساحل اللبناني ببقاعه، ويبقى أن نحدّد متى يُنجز، ولا ترمي هذه الملاحظة على سبيل “اللأْمَنة”، لا… أبدًا، بل من باب الحرص والتأكيد على ضرورة المشروع.

هذا القول ناتج من مراجعتي لملف الترشّح الى الإنتخابات النيابية لعام 1957 لنائب بعلبك – الهرمل السابق الراحل الدكتور سليم حيدر حيث تكرّر (بإلحاح واضح) شعار “نفق حمّانا – شتوره = الشريان الحيوي للبقاع”.

ومن مناقشتي لتفاصيل هذا المشروع مع صاحب الشعار إتضح لي أنّه كان موضوع حملة لسنوات مضت في مجلس نواب خمسينيات القرن الماضي. حتى أنه قُدِّمت عروض لهذه الغاية من قبل جهات مختلفة، بقيت منها بذهني تلك اليابانية التي عرضت تنفيذ المشروع من دون تكليف الدولة اللبنانية وعلى أساس الحصول على إمتياز تشغيل إستثماري لمدة طويلة. يومذاك لم يُرحِّب بهذا العرض لفقدانه أبسط “المواصفات” اللبنانية المتمثلة بإغفاله العمولات والسمسرات على غرار ما درجت أن تقدّمه الدول “الصديقة” للبنان… فأُهْمِلَ المشروع من أساس الفكرة، تحت ذرائع هندسية فنية وتجارية وحتى سياسية، “لازمة” نشيد تعطيل العمل اللبناني! وباختصار، قد يفيد التذكير هنا بمشروع الليطاني الذي دام الجدل، المحلي والإقليمي والدولي حوله، والهندسي والبيئي والإقتصادي بصدده، منذ أوائل خمسينيات القرن الماضي أيضًا، ونحن، بوَلَع (طرق باب الهلع) شديد ننتظر إنجازه الآن للإفادة من تدفقاته. والتذكير موصول الى مشاريع النفط والغاز، الأرضي منها منذ دراسات الدكاترة غسان قانصوه وغيره منذ نصف قرن إنقضت، والبحري الأحدث، منذ الكلام عن وجوده منذ ربع قرن إنقرضت.

نقول (لا بدّ) هنيئًا للبنان بصيص النور في آخر النفق الذي سيوصل الساحل بالعمق العربي عبر طريق دولية. ولكن لهذا أيضًا قصّة منفصلة. أذكرها عندما سعينا، أعضاءً في مجلس الإنماء والإعمار الأول، في آخر سبعينيّات القرن الماضي، سعينا الى تنفيذ ما عُرِفَ ب”الأوتوستراد” العربي. وبعد دراسة وتصميم وتقييم، كان من شأن المشروع وَصْل مرفأ بيروت بعمق الجزيرة العربية. وكان قد سعى المجلس للحصول على تمويل من المراجع والدول والصناديق العربية بغية تنفيذ المشروع على أساس أنه مشروع عربي مشترك يُفترَض تمويله بأموال عربية مشتركة تأكيدًا للغاية من وجود مجلس إقتصادي في منظومة جامعة الدول العربية.

أذكر أن كلفة الأشغال، ضمن الأراضي اللبنانية، كانت تقدّر بملياريْ ليرة لبنانية من دون قيمة الإستملاكات. إلّا أن استعجال اللبنانيّين و”أصدقائهم” الى العودة بالبلاد الى حروبها المتجذرة في الهيكل التأسيسي لبلدهم، حتّم إهمال المجالات “الثانوية” مثال الإنماء والتطوّر الحضاري وبناء الإستقرار السياسي والإقتصادي وبالتالي الإجتماعي.

من منشئي البقاعي من شماله الصامد الصامت، ما زلت أتطلّع، ولو بعد نصف قرن، ولو قد لا أسلك قط مساره “المنوّر” المتنوّر، ومع حسرة لا تندمل على رحيل أوائل المطالبين بالمشروع مع أحبّائهم وجميع الساعين إليه قبل إنجازه، أرحّب أجمل ترحيب بإقرار المشروع، وتبقى العِبرة… لكن بصفتي مهندسا عمل في مجال الإنماء ومتابع، ما زال، لشؤون “حسن” إدارة الدولة والمجتمع، سأسمح لنفسي بإبداء بعض الملاحظات السريعة لكنّها صادقة، واعية، نابعة من الخبرة وحريصة. هل نحن، لبنان، فعلًا بمستوى إدارة أو إستلام أو إستعمال حتى، هكذا مشاريع؟ (طبعًا سيُقال أن تمويل وتنفيذ وإدارة والخ … هو على عاتق “الغير” من الخارج. وفي هذا المجال لا بدّ من تنبيه الجهة المتعهّدة والمشغّلة من أنها ستتعامل مع شعب لا يحترم القوانين سيما قانون السير، شعب لا يعرف معنى فرز نفاياته من قياداته، شعب يحكمه أشخاص لا يحترمون الدستور والقانون).

ولكن بالعودة الى النفق وبمقارنة، غير بريئة، وسريعة نذكّر: هل لاحظتم كم مرّة، وعلى مرّ كم سنة، وخلال كم من الفترات، عانى وما زال يعاني المواطنون من المرور أو التعطيل أو … عبر نفق سليم سلام وسَنَدِه جسر الكولا؟ وهل تعلمون أن، في ما يقارب 60% من الوقت، تكون الإنارة العامة مُضاءة، جهارًا نهارًا، فوق الأرض على الطريق، وغائبة في آن، معتمة داخل النفق الذي يؤدّي الى منطقة الروشة في بيروت (وغيره) أو ذلك الذي يمر – بعد عقود من الركود… والعمل – في بحمدون؟ وهل لاحظتم أن الإنارة على طريق ضهر البيدر المجهّزة، بدعاية كبيرة ورعاية دائمًا ما تكون مشكورة، بالطاقة الشمسية (الإنارة وليس الطريق) لا تعمل في الأوقات الحرجة؟ وهل.. وهل؟

هي إذاً محاولتان من أجل وصل الشرق بالغرب، كانت أولها، منذ 60 سنة وأكثر، من دون كلفة نقدية مباشرة على الدولة وكانت، لا شك، لتُفْرِح البشر وتُخرِج الحجر، وثانيها بكلفة واحد بالماية من قيمة الدين العام الحالي المُعْلَن. ربما كانت هذه جنّبتنا جانبًا كبيرًا من ويلات الوطن!

هذا كلّه يذكّرني بمطالبتي، خلال مؤتمرات سياسية – إنمائية منذ ثمانينيات القرن الماضي، بإعادة تقسيم الدوائر الإنتخابية – الإدارية للبنان على أساس محافظات خمس على تخوم خطوط عرضية تكسر الفصل العامودي القائم منذ الزمن، من على قمم جبل لبنان، في المساحة اللبنانية فيما بين شرق لبنان (الداخل) وغربه (الساحل). ويرمي هذا الإقتراح الى إعادة صهر اللبنانيّين في مناطق تتجاوز حواجز الطبيعة الجغرافية والمناخية والبيئية. كما من شأنه تحويل إهتمام السياسيّين أصحاب القرار الى وصل المناطق (شرقًا – غربًا)، وسكانها التقليديّين، إنمائيًّا على الأقل إن لم نفلح سياسيًّا. ومن المستحسن إجراء إعادة ترسيم للمحافظات كلّ ربع قرن، مثلًا، تأمينًا لمرامي هذا المبدأ وتشبُّهًا بمبدأ المداورة في المناصب والوظائف. كنّا لنتجنّب حروب الأخوة كلّ قرن أو كلّ عقد أو فترة… ولعلّ الإقتراح يكون حلًّا أيضًا لوضع المادة 95 من الدستور على درب التنفيذ.. كاملةً هي واللامركزية الإدارية وسائر أقانيم الدستور.

وما أكثر ما سمعناه من أعذار، وما زلنا، أن الأوضاع العامة والإقليمية وغيرها دقيقة وصعبة وتقتضي الحذر ولا تسمح و… وذلك منذ ما قبل أن “تَوْتَرَتْ الأحوال وطارَ رأسُكَ الى ناوْ وورك” (1) حسبما قرأ الخبر بعض المتابعين لأحداث لبنان والمنطقة في حينه.

نحن نعيش في ظلّ تهديدات عدو دائمة، وحتى زواله، العدو وليس التهديد، نقترح المباشرة بوضع خطة لردع العدو من إمكانية قصف النفق وتدميره بمن وما فيه وما حوله. ومنها أن تُنشر سلسلة رادارات وصواريخ (من نوع S400) وغيرها، الى ما هو أهم، أي تزويد وتجهيز وتدريب الجيش اللبناني بما يردع العدو جوًّا وبحرًا وبرًّا، إرادةً وإدارةً، عقيدةً وقواعد إشتباك و.. و… (من وحي إنتصار 14 آب 2006).

لكنّي ساتوقّف هنا وقد قال لي أحدهم: ما بالك يا حيّان دائمًا ما تأخذنا الى ما بعد… ما بعد… الموضوع؟ لنعود إذن الى تسهيل السير فيما بين الساحل والداخل (اللبنانيّين!).

فنقول إن شاء الله، الثالثة ثابتة.

(1) من قراءة عناوين الصحف عندما توتّرت الأحوال، لتعثّر الأمور والحلول منذ نصف قرن ونيف، وغادر على أثرها وزير الخارجية الأميركي دين راسك Dean Rusk بيروت متّجهًا الى نيويورك.

مهندس

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*