نعم “صار الوقت”!

جاء الوزير الصديق علي حسن الخليل الى برنامج الزميل العزيز مارسيل غانم، مدججاً بشجاعتين مهمّتين: كتاب مشروع الموازنة الذي راح يقلّب صفحاته، وجرأة الصراحة التي راح يكشف منها، قصصاً مذهلة جداً، عن البعزقة والإهدار في دولة سائبة كلياً، وصلت إلى درجة ان بعض كبار الموظفين والمديرين يشاركون في أكثر من إدارة ومجلس إدارة وينالون مخصصات ومكافآت، ليصل راتبهم الشهري الى مئة مليون ليرة أي ٧٥ ألف دولار [أخال ان ترامب الرئيس الملياردير يجهش في البكاء].

وعلى إمتداد ساعتين ذهل مارسيل والناس طبعاً وبلعوا ألسنتهم، وصفقوا لوزير متحمس يقف أمامهم للمرة الأولى، ويسعى الى وضع نقاط على حروف كثيرة، بعضها حساس وحَذِر مثل قصة “التدبير رقم ٣” للعسكريين، الذي يتحدث عنه اللبنانيون همساً منذ أعوام كثيرة.

لا داعي الى إعادة حكّ جروح الناس والتذكير بالفصول التي رواها عن دولة منهوبة بالسرقة والهرطقة والبعزقة والسمسرة المقوننة، فلقد شبعنا غضباً وشبعنا تجمعاً للمتظاهرين يصرخون فلا يسمعهم أحد، سوى أنهم يعكّرون على الرئيس المرحوم رياض الصلح نومه، هذا إذا تركنا له ان ينام ونحن نقهره أيضاً في مضينا بتخريب لبنان.

ولا حاجة طبعاً الى تعداد دكاكين المجالس الوطنية التي فرّخت إلى جانب الوزارات، فلا هي عملت ولا الوزارات تعمل، لكن القبض ماشي والساعات الإضافية والمكافآت وآخر الإبتكارات “شراء الخدمات” على طريقة سوق الأوقية، ولست أدري هنا ما الحاجة مثلاً الى دحش مندوب صحافي عند كل نائب [تشرفنا] أو الى ترجمة أخبار الوزارات والإدارات الى اللغة الإسبانية، كي يستطيع مثلاً رئيس الوزراء بدرو سانشيز ان ينام؟

نهاية الحلقة ورداً على سؤال جوهري عمن يتحمل مسؤولية كل هذا الفساد الذي يضعنا جميعاً في قارب مثقوب قال الخليل بصراحة : “ليس من أحد فوق الغربال” بما يعني ان الكل مسؤول، ولكن هذا لا يكفي، وربما هذا يضيّع المسؤولية، فلقد أرانا الوزير رأس جبل الجليد فقط والمخفي أعظم، بمعنى أنه وضع الشعب وهو الضحية مع الجلاد وهو السياسيون والمسؤولون منذ زمن بعيد تحت الغربال الواحد، رغم حرص معاليه تكراراً على التوضيح ان الإجراءات الموجعة لن تطاول ذوي الدخل المحدود والمتوسط، لكأن كل الذين إجتهدوا مثلاً خارج الدولة أو في الإغتراب ليصيروا مرتاحين شركاء في سرقة الدولة التي ينهبها سياسيون ومسؤولون منذ زمن، وعليهم ان يدفعوا، ولماذا، ليستمر النهب؟!

لا، لا هذا لا يصنع إصلاحاً نهائياً للوضع، هذا ترقيع عابر للوضع، فلا يجوز سيدي ألا نرى حوتاً واحداً نَهَب الدولة واقفاً أمام العدالة، وألا نعرف اسماً واحداً على الأقل متهماً بسرقة المليارات، نهبها من المال العام وعرق الناس لم يدخل السجن بل جاء يقف تحت الغربال، بدلاً من تعليقه حياً وعارياً امام السرايا، وإذا كان هناك خوف مفهوم جداً من ان الإعلان عن كل هؤلاء الحيتان، قد يدفع لبنان الى فتنة داخلية، لأسباب طائفية ومذهبية، فذلك لأن في كل خلٍ كثير من الدود، وهذا يعني أننا سنبقى شعب السيدة حنة التي سيسرقها السياسي شاهين ويهرب من جديد… مفهوم؟

على كلٍ عنوان برنامج عزيزي مارسيل هو “صار الوقت”، لكن الوقت “ما صار” أو لم يحِن من قبل بهذا الإلحاح الضروري، لكشف المسؤولين الذين وضعونا صديقي الوزير تحت الغربال… وإن كان لي أنا الأرثوذكسي في أسبوع الالآم رجاء القيامة باكراً للجميع!

rajeh.khoury@annahar.com.lb – Twitter:@khouryrajeh

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*