نعش السلطة

اللوحة لجاك زولي.

عزيزي المواطن، إيّاكَ أنْ تبحث عن دولار، أو عن حاجةٍ أخرى، وإنْ ماسّة. إبحثْ فقط عن الكرامة، كرامتكَ الشخصيّة وكرامتكَ الوطنيّة.

في خلال ذلك، لا لزوم لأنْ تلهثْ وراء البنزين. لا تقفْ، والحال هذه، في الطوابير أمام محطّات الوقود. تنقّلْ على قدميكَ فحسب. تخلَّ عن استخدام السيّارة، وعن المشاريع أو الأعمال التي تقتضي منكَ ركوب السيّارات للانتقال من منطقةٍ إلى أخرى، إلّا عند الضرورات القصوى. اكتفِ بالأساسيّ لمواصلة العيش. وابتسِمْ على رغم كلّ شيء. أقصد – ابتسِمْ – على رغم استمرار وجود هذه السلطة الجائرة في السلطة.

وعليه، أدعوكَ إلى الصبر الطويل لأنّ القضاء على هذه السلطة الفاسدة، النتنة، البلا كرامة، يتطلّب بذل الكثير الكثير. إعلَمْ فقط أنّكَ لا تزال في أوّل المشوار. أقصد بعبارة “أوّل المشوار” أنّ ثورتكَ لا تزال في أوّل العمر، في أوّل الطريق.

دون الوصول إلى الأهداف العالية، أهداف الدولة الوطنيّة، دولة الحقّ والعدل والحرّيّة والكرامة والديموقراطيّة والمواطنة؛ دون الوصول إلى هذه الأهداف العالية كجبينكَ العالي، مطبّاتٌ ليست كالمطبّات، وفخاخٌ ليست كالفخاخ، وجحيمٌ ليست كالجحيم.

ستواجهكَ، بعد قليل، بل على مدى هذا الوقت، مشقّاتٌ جسامٌ، وأهوالٌ لا تُحصى، وستنتابكَ أوجاعٌ، وآلامٌ شتّى. وستشعر بالضيق، بالأسى الروحيّ، بتهدُّم الجسد، وبعتمة العقل والقلب. وقد يلتهمكَ اليأس، ولا بدّ أنْ تقضّكَ الكوابيس. فلا تخرجْ على أعصابكَ. بل حافِظْ على هدوئكَ. ولا تنفعل.

وقد تجوع. وقد تُسَدّ في وجهكَ السبل كلّها. وقد تعجز عن الصراخ. وإذا صرختَ، أو إذا حاولتَ أنْ تصرخ، فقد لا يخرج من حلقكَ كلامٌ معلوم. فإيّاكَ أنْ تتراجع.

جبينُكَ، فليبقَ عاليًا، لتستحقّ لبنانكَ المكلوم هذا.

وليبقَ جبينكَ عاليًا، ليراه مواطنوكَ الآخرون. وآنذاك ينضمّون إليكَ، من البساتين، من القرى، من المتاهات، من الفيافي، ومن المدن، ومن الأودية، ومن على الضفاف، ومن الأقاصي.

وآنذاك، تُرى بجبينكَ العالي، كبرقٍ ساطعٍ في لحم الوجع، كما تُرى نارٌ مضطرمة في أعالي الجبال.

واعلمْ، أيّها المواطن، أنّ السلطة، أنّ روح هذه السلطة تحشرج، وأنّ روحها ستطلع، وقد وصلتْ روحها إلى الزلعوم. وهي، هذه السلطة، ستسلّم الروح.

لكنْ، إيّاكَ أنْ تحرق المراحل، أو أنْ تستعجل. فقد يتأخر الأوان، أوان تسليم الروح، لألف سببٍ وسبب.

واعلم، أيّها المواطن، انّ النعش، نعش السلطة، قد اكتمل نصابه، أو هو على الوشك، وهو واسعٌ ورحيبٌ، ويتّسع للجميع. إنّه رحيبٌ ووسيعٌ وسيضمّ الجميع. الجميع بلا استثناء.

والنعش هذا، نعش هذه السلطة، أنيقٌ، وجليلٌ، ولائقٌ بالمقام، وشديد المتانة والإغلاق.

والنعش هذا، نعش هذه السلطة، ينتظر خروج روح هذه السلطة،. وهو ساهرٌ على خروجها ليلَ نهار، ليكون الشاهد .

فلا يداخلنّكَ وهمٌ من جرّاء ذلك، إذا تأخّر إعلان الوفاة.

أقول لكَ من الآن، إنّ إعلان الوفاة سيتأخّر. فصبرًا جميلًا أيّها المواطن. وتهيّأ. لأنّكَ مدعوٌّ، كسائر مواطنيكَ، إلى المشاركة في حمل النعش إلى المثوى الأخير. وإلى حيث لا رجوع.

سلامي إليكَ، أيّها المواطن. مستمرّون!

Akl.awit@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*