الرئيسية / home slide / نظرية المؤامرة ونظرية المحاصرة في ضوء الأحداث الأخيرة في لبنان

نظرية المؤامرة ونظرية المحاصرة في ضوء الأحداث الأخيرة في لبنان

18-10-2021 | 12:19

يد عليها رصاصات من احداث الطيونة (تصوير نبيل اسماعيل)

د. ناصر زيدان

نظرية المؤامرة ونظرية المحاصرة (أو الحصار) توصيفات يتم تداولها بكثرة في لبنان، بينما البلاد ترزح تحت أسوأ أزمة في تاريخها، تتداخل فيها الأحداث الأمنية والتهديدات للقضاء مع عتمة مُطبقة توقّفت معها معامل كهرباء المؤسّسة الحكوميّة عن الإنتاج، والليرة اللبنانية عادت تترنّح أمام الدولار الأميركي بعد أن شهدت بعض الانتعاش، إذ تجاوز سعر الصّرف مجدّداً الـ20 ألف ليرة مقابل الدولار بعد أن تراجع إلى ما دون الـ15 ألفاً عند تشكيل الحكومة قبل شهر.

فريق “حزب الله” يتحدّث عن مؤامرة تقودها القوات اللبنانيّة بمساعدة خارجيّة لمحاربة “المقاومة”. ويُحمِّل هذا الفريق القوات المسؤوليّة عن الأحداث التي حصلت في منطقة الطيونة في شرق بيروت بتاريخ 14 تشرين الأول، وهي المحلّة ذاتها التي اندلعت منها الحرب الأهلية في 13 نيسان 1975. لكن الصور التي نقلت وقائع الاشتباكات المسلّحة التي حصلت لم تشر إلى أيّ مشهد لعناصر من القوات تحمل السلاح، بينما كانت عناصر الحزب ومناصريه تصول وتجول بأسلحتها الخفيفة والثقيلة وتطلق النار. والمفارقة أن ضحايا أحداث الخميس كانوا بأغلبيّتهم من الفريق الذي يقوده “حزب الله”. يبدو أن هناك أسراراً غير معلنة حول ما جرى، بينما كانت الدوافع التي مهدت للأحداث وسبباً لها؛ مظاهرة غريبة – دخل بعض عناصرها إلى أحياء بدارو المسيحية – على غير ما هو مرسوم من قبل منظّمي التظاهرة في “حزب الله” وحركة أمل، وهي كانت تطالب بتنحّي قاضي التحقيق في ملف المرفأ طارق البيطار. وسواء أكان إطلاق النار على المتظاهرين، ثم على المنازل السكنية، جاء خوفاً ودفاعاً عن النفس أو بواسطة خطة مدبّرة، فقد أخذت الأحداث أبعاداً خطيرة تهدّد السلم الأهلي، بينما الكلام عن المؤامرة لم يترافق مع أيّ دليل حسّيّ يؤكّد هذه الواقعة، أو ربّما تكون المؤامرة قد أُعدّت من طرف آخر غير القوات، لأن عناصر هذه الأخيرة لم يظهروا إلى العلن نهائيّاً إبّان الاشتباكات.

وأفرقاء الصراع السياسيّ يتحدّثون عن حصار خارجيّ يتعرَّض له لبنان، وهو ما يؤدّي إلى تفاقم الانهيار الماليّ والاقتصادي، ويعوِّق انطلاق العمل الإنقاذي للحكومة. والقوى المتقابلة تتبادل الاتهامات الإعلامية والسياسية حول أسباب الأزمة، وتختلف تفسيراتهم لحالة الحصار الذي يتعرّض له لبنان؛ فبينما تعتبر قوى الممانعة الحليفة لإيران أن أميركا هي التي تحاصر لبنان، ترى القوى المعارضة “أن الحصار موجود بسبب ربط لبنان بمحور البؤس والشرّ” الذي خلق للبلاد مشكلات مع معظم دول العالم، لا سيّما مع أشقائه العرب القادرين على مساعدته أكثر من غيرهم. وفئة أخرى من اللبنانيين ترى أن أسباب الأزمة ناتجة عن سوء إدارة الدولة، والاستباحة التي تتعرَّض لها مؤسساتها الرئيسية من قِبل القوى النافذة.

أغلبيّة واضحة من اللبنانيين يعتقدون أن استخدام لبنان ساحةً للمماحكة الدوليّة والإقليمية تحت شعاراتٍ واهية بمقاومة إسرائيل هي التي أدّت إلى الانهيار، وعزلت لبنان، وقوّضت مصالح أبنائه، بينما الذين استفادوا من لبنان كمنصّة لدعم سياستهم التوسعيّة في الإقليم لم يقدِّموا للنّاس سوى الشعارات الخشبيّة، وهم تحرّكوا في الفترة الأخيرة، وأدخلوا المازوت تهريباً إلى الأسواق بحجّة المساعدة، بينما الواضح من خلال طريقة تسويق هذه المادة من قبل “حزب الله” وحلفائه أن العملية كانت محضّ تجارية وانتخابية، وقد استفادوا من أموال الضريبة الجمركيّة التي لم تدفع لخزينة الدولة المتهالكة، وخفّضوا سعر المازوت بما يعادل قيمة الضريبة غير المدفوعة، كما أنّ الكميات تُسلَّم وفق جدول أولويات “حزب الله”. في المقابل أعطوا بفعلتهم دليلاً واضحاً على أن حدود لبنان مُشرَّعة أمام التهريب، ولم يؤدِ إدخال المازوت بهذه الطريقة غير الشرعية إلى حلّ للأزمة. ويأتي العرض الإيراني بإنشاء محطّتي توليد كهرباء في منطقتين تسكنهما أغلبيّة شيعية في جنوب بيروت وجنوب لبنان ليزيد من تعقيد الصورة، لأن هذا الموضوع لم يبحثه وزير خارجية إيران حسين أميرعبد اللهيان في زيارته الأخيرة مع الحكومة اللبنانية كما صرّح بذلك وزير الطاقة اللبناني وليد فياض، ولأن المواقع المقترحة لهاتين المحطتين هي أملاك عامة تستخدم حدائق ومتنزّهات وشواطئ سياحيّة.

وترى القوى المعارضة أن هذه المعطيات المترافقة مع تعنّت من جهة الحكم في التعامل مع ملفات إصلاح الكهرباء، خصوصاً الامتناع عن إنشاء الهيئة الناظمة للقطاع، كذلك في إرباك عمليّة التفاوض على ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، كلّها تصب في خانة تكبيل الحكومة، وإجهاض المساعي الدوليّة والعربيّة لمساعدة لبنان، لأن فعلة قوى محور الممانعة لا يمكن أن تتماشى مع القواعد التفاوضيّة المعتمدة في البنك الدولي وفي صندوق النقد الدوليّ وعند الدول المانحة؛ وهذه الممارسات الاستعلائيّة والفوضويّة المدروسة من قبل قوى الممانعة وحلفائهم في دوائر الحكم هي التي تؤدّي إلى الحصار المفروض على لبنان، وليس التدخلات الخارجية الأخرى.

صحيح أن الإجراءات الأميركية التي تستهدف “حزب الله” والنظام في سوريا أضرَّت بمصالح اللبنانيين، وساهمت في تعميم فوضى التهريب التي استهلكت الاحتياطي النقدي لمصرف لبنان، ولكن الصحيح أيضاً أن التقديمات الأميركية وغيرها هي التي ساعدت الجيش على الوقوف على رجليه والصمود في أصعب أزمة ماليّة يتعرّض لها. أما اتهامات “حزب الله” التي تطال المؤسسات والدوائر التي تقبل المساعدات الأميركية فهي تهديد موجّه إلى الحكومة بالدرجة الأولى، وتُثير السخرية في آنٍ واحد، لأن العمالة للأجنبي تنطبق على من يرتبط سياسياً وأمنياً بأوامر خارجيّة، وليس على الذي يتلقّى المساعدات لمؤسّسات الدولة من دون شروط لإنقاذ ما تبقّى منها.

من نافل القول: إن الذين يستغلّون لبنان لأغراضهم الفئويّة ولمشاريعهم الخاصّة هم الذين يساهمون في حصار لبنان وفي تقويض عمل الحكومة. واللبنانيّون سئموا من لغة الاتّهام والتخوين، ولم يعُد في مقدورهم سماع التهديد والوعيد من الذين رهنوا لبنان لمصالح خارجية واضحة؛ وهؤلاء جزء من مشروع ألحقَ أضراراً لا تُحصى بلبنان والمنطقة العربية؛ وقدرة الصبر عند المواطنيين وصلت إلى حدّ النفاد بسبب الذلّ المعيشيّ الذي يقاسونه، وبسبب التهديد الأمني والوجودي الذي يُصيب لبنان في الصميم، والذي سيؤدّي – إذا ما استمرّ – إلى شرذمته وإلى إلغاء دوره التاريخيّ ومكانته بين أمم الأرض.

أغلبيّة القوى والشخصيّات التي ترفض الاتّهامات التي يطلقها مقرّبون من “حزب الله” ضد أحزاب سياسيّة وضد بعض القضاة وضدّ الجيش لا توافق الولايات المتحدة في سياستها في المنطقة، وهي تكيلُ لها الانتقادات باستمرار. وإذا كان هناك من مؤامرة على لبنان أو مُحاصرة له فهي بسبب دور القوى التي تتجاوز الأصول المشروعة والقوانين، لاسيما في حمل السلاح المتفلّت، وفي عدائها لأصدقاء لبنان وأشقائه.