نظرة تاريخية إلى أزمات الحاضر التي تُضحِكُ الثكلى

بعد تسعةِ أشهرٍ، أقصى مدّةِ الحمل، وُلِدتْ _ قيصريّا _ حكومةُ البلاد الحاليّة، سَبقَها في عُسر الولادةِ وطولِ المدّة، حكومةٌ أخرى، وقبلَها لمددٍ أقلَّ حكومات.. لو أضفنا من جهة إلى هذه الظاهرةِ “النشاز”، التي يكاد ينفردُ بها لبنانُ بين دولِ العالم، فراغاً رئاسيّاً مدّةً ليست قصيرة، قبلَ سنتين، لم تكن الأولى، واكبَها ما يشبه الشَللَ في المجلس النيابي، رَغمَ حِرصِ رئيسِه ضخَّه بالأوكسجين مرّة وأخرى، وأضفنا إليها ثانيةً حجمَ الأزماتِ والمشاكلِ المعيشيّةِ، والخدماتيّة المزمنة، التي يَرزحُ تَحتهَا الشعبُ مغلوباً على أمره ملتاعاً بنارها، كالبطالةِ ونُدرةِ فُرصِ العملِ، وهِجرةِ الشبابِ من حملةِ الشهاداتِ إلى شتّى عواصمِ العالم، وركودِ السوق نتيجة الظروفِ السياسيّة، وتشديدِ الضغوطِ الاقتصاديّة، وتدنّي أجرةِ العامل اللبناني، واتساعِ دائرةِ الفقرِ لتضمَّ حَسْبَ المتداولِ قرابةَ نِصفِ الأسرِ اللبنانيّة، حتى بات موتُ المرضى الفقراءِ على أبواب المستشفيات حقيقةً غيرَ مُبالغٍ فيها، شاهدُها القريب طفل (طرابلس) قبل أشهر.

إلى العجزِ الفاضحِ عن معالجةِ القَمامة، وتلوّث الماء والبيئة المتّهمَين برفعِ منسوبِ الأمراضِ في لبنان، وقد تَوّجت بالأمس منظمةُ الصحّةِ العالميّة بلدَنا العزيزَ، الأوّلَ بين دول العالم في نسبةِ الإصابةِ بداءِ السرطان!

لو لاحظنا هاتين الظاهرتين البارزتين في الحياةِ السياسيّة والاجتماعيّة العامة للبنان، لَتشكّلتْ لدينا قناعةٌ تامّةٌ بوجودِ خَلَلٍ عميقٍ في بُنيةِ النظام السياسي والإداري: إليه يعودُ السببُ في هذا الواقع البائس الصعب الذي يعيشه اللبنانيون مُنذ عقود.

وإنّ أيَّ باحثٍ يتصدّى لمعرفةِ الأسبابِ الموضوعيّةِ لهذا الخلل وبواعثِه الحقيقيّة ستتوالى أمامه دُونَ جُهدٍ كبير أسبابٌ عديدة تتصدّرُها الطائفيّةُ السياسيّة: وليدةُ الاتفاقاتِ الخارجيّةِ المشبوهة: بدءاً من اتفاقيّة القائمقاميّة المبرَمَةِ بين الدول الغربيّة والأتراك عام 1840م. بعاصمتين (درزية) في (بيت الدين) و(مارونيّة) في (بكفيّا) يساعد الحاكمَ الدرزي والماروني، مجلسٌ إداريٌّ تتمثّل فيه المذاهبُ الوازنِةُ في البلد غير الموارنة ،الدروزُ والسنّة، والكاثوليك والارثوذكس، معهم مستشارٌ شيعي، كانت هندستُها الطائفيّةُ هذه _ حسب المؤرخين هي _ وراءَ مجازرِ سنة 1858م.، وسنة 1860م. مروراً بـ(المتصرّفيّة) التي أعطت (جبل لبنان)، باتفاقِ نفس الطرفين (تركيّا والدول الغربيّة)، استقلالاً إدارياً بإشراف متصرّفٍ مسيحيٍّ غير لبناني من رعايا السلطة يُساعدهُ، كذلك، مجلسٌ إداري فيه (الموارنة) متفوّقون عدداً.. مَكَّنهم، هذا التفوّقُ، بتدخلِ فرنسا بعد إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920م. وضمّ الأراضي الداخليّة والساحليّة ذات الأغلبيّة المسلمة إلى (جبل لبنان)، مَكَّنهم من المحافظة عليه: بادئاً في لجنة الجنرال (غورو) الإداريّة /قرار/ أول أيلول 336 / فالمجلسِ التمثيلي الذي حَلّ َمحلَّه، /آذار عام 1922م/. وَعُدَّ أوّلَ قانونِ للانتخاب في لبنان، وُزّعتْ مقاعدُه الثلاثون على بيروت ،وباقي المناطق اللبنانيّة حَسبَ الطوائف؛.. وتدخّلتْ الخارجيةُ الفرنسيةُ فوراً حين ارتأى المفوض السامي (موريس ساراي) حَلَّ المجلس التمثيلي وإعداد قانون جديد للإنتخابات لا يعتمد التوزيع الطائفي وتبنّى النظام الأكثري مطلقا.

وَظلَّ التوزيعُ طائفيّاً عَبر َكلِّ المجالس النيابية اللاحقة، عَمَّقَ حِسَّه الطائفيَّ الرئيسُ المعيّنُ أيوب ثابت عام 1943م. بمنحِه ِالمسيحيين (32) مقعداً مقابلَ (22) للمسلمين، تسبّب سريعاً في نشوب خلاف طائفي تداركه المندوب السامي الجديد (جان هيللو) بقرار (312) تموز 1943م. رفع عَدَدَ النوابِ إلى خمسةٍ وخمسين/: ثلاثون للمسيحيين وخمسة وعشرون للمسلمين؛ أي هي نسبة الخمسة إلى ستة ظلتْ معتمدةً في كلِّ المجالس النيابيّة (مجلس الـ 55 هذا، فالـ 44 عهد الرئيس شمعون فالـ 66، والـ 77، وحتى الـ 99، ليساويَ الطائفُ في العدد بين الطائفتين، أي ليقرّ مبدأَ التوزيع الطائفي، وإن ساوى في العدد، مُورداً في وثيقته بنداً يدعو إلى إلغاء الطائفيّة السياسيّة تدريجاً، لم تخطُ على طريقه حكومات ما بعد الطائف خطوة واحدة… وبالامس غير البعيد يتوقف قرار حكومي لحماية الغابات والاحراش من الحرائق تلاحقت وجرائم السطو والتعدي على أخشابها توقف وحتى اليوم بحجة التوزيع الطائفي في موظفيه / حسب مسؤولٍ سياسي رفيع المستوى!

وعلى غرار المجلس النيابي في اعتماد المعيار الطائفي لانتخاب أعضائه جاءَ اختيارُ الرؤساء الثلاثة للبلاد عام 1943م. بعد الاستقلال، بادئاً عبرَ خطابٍ شفويٍّ أطلقَهُ الزعيمُ “رياض الصلح”، متفق مُسبقاً على مضامينه بين رجال الاستقلال مسلمين ومسيحيين بهدف جمع الساحةِ السياسيّة والتسريعِ بإعلانِ الاستقلال، تَحوَّلَ عُرفاً وبغير نصّ دستوري إلى قانونٍ محترمٍ تلتقي عنده كلُّ الأطراف السياسيّة.

هذا الاستخدامُ الطائفي والمذهبي متواصلُ الفصولِ والحلقات في العمل السياسي الممتد في جذوره لعام 1840م، ترك _ حكماً _ آثاراً سلبيّةً عميقةً في حياة الشعب اللبناني، ليس أقَلَّها تغييبُ معيارِ الجدارةِ وتكافؤِ الفرصِ عَبر عمليات التوظيف في مؤسسات الدولة لتطال مَنعَ مذهبٍ أو آخر من وزارةٍ معيّنة أو وظيفةٍ حسّاسةٍ في الدولة. ولِتعملَ قسراً على زرعِ الحساسيةِ الطائفيّة والمذهبيّة في نُفوسِ أبناءِ الشعبِ الواحد باختياره النوّابَ على أساسٍ طائفيٍّ ومذهبي؛ وحتى إنّ هويّة انتماء المواطن لأرضه وبلده تُعدُّ لاغيةً ما لم تحملْ صفته الدينيةَ بل المذهبية. هيّأ هذا الجوّ الطائفي المزمن أرضاً خصبةً لساسة الداخل والخارج لاستثماره في طموحاتهم ومشاريعهم السياسية، وَصَلَ حدَّ إشعال حربٍ أهليّة مدمّرة في عام 75م. لا زال الشعب اللبناني يَحصدُ ويلاتِها.

يلي الطائفيّةَ السياسيّة من الأسباب التأثّرُ الواضح بالخارجِ، وليس المقصودُ به الخارجَ الدينيَّ والعقيدي، كتأثّر المسيحيّين بكنيسةِ روما مثلا، أو غيرِها، والمسلم السنّيِ بالأزهر أو سواه، والمسلمِ الشيعي بمرجعيةِ النجف الأشرف، أو قم المقدّسة، فهذا التأثّر بل الارتباطُ العقيديُّ حقٌ طبيعي يُقرّهُ العقلُ والوجدانُ كطريقٍ إلى اللهِ سبحانه!.. ويَدخلُ تحتَ حريّةِ الرأي والمعتقدِ الذي تُقرّه وتكفَلُه وثيقةُ حقوقِ الإنسان الدولية؛ وإنما المقصودُ به الخارجُ السياسي، وهو كذلك مقبولٌ بل ومحترمٌ في حدودِ تقاطعِ واشتراكِ المصالحِ الوطنيةِ بين الداخل والخارج، يرقى ويسمو في إطار نصرة القضايا الانسانيّة العامّة كنصرة الشعوب العربيّة والإسلاميّة للقضية الفلسطينيّة _ وإن خَفَتتْ أسفاً مظاهرُها في السنوات الأخيرة حتى لا تكاد ترى تظاهرةً واحدة في أي من الدول العربيّة ومنها لبنان وجنوبُه المناضل تَشدُّ أزرَه معنويّاً أمام الرأي العام العالمي، في حين تشهدُ عواصمُ غربيةٌ بين مدةٍ وأخرى تظاهراتٍ متعاطفةً مع الشعب الفلسطيني، ومنها انطلقت أكثر من مرة، سفُنُ الحرية في تظاهرةٍ عالمية رمزية تجوبُ البحر لفكّ الحصار عن غزة _ وكدعم الخارج كذلك لشعب الجنوب في مقاومته الاحتلال الصهيوني.

أمّا مع تجاوزه هذين الإطارين (الارتباط الديني، والنصرة الوطنيّة أو الانسانيّة) فهو حينئذ أقربُ إلى الضغط والإملاء، عدا ما يَحملُ من لوثةِ التبعيّة، فقد يصطدم مع مصلحة الوطن العليا، وربما حوّل الوطن عبر حليف الداخل إلى ساحة صراع وتصفية حساب بين قوى الخارج المتنافسة.

إلى آفة الهدر والفساد وتفشّيها المروِّع في مؤسّساتِ الدولة حتى بات لا يَسْلَمُ من وزرِها مؤسّسةٌ أو دائرة إلا من عَصمه الضميرُ وخشيةُ الله من موظّفيها، تتّخذُ، أحياناً، في إشارةٍ إلى مدى بشاعتِها وتغلغلها في بنية الدولة، أشكالا عجيبة كالجمعيات الوهميّة وموظّفين أشباح لا وجود لهم أو موجودين لا يعملون.. يكفيهم التوقيعُ لتقاضي رواتبِهم، وكتلزيمات النافذين في الدولة مشاريعَ خدماتيّةً بكُلَفٍ عالية لشركاتٍ أو محازبين أو مدللين كالانسباء، أو حاذقين يعرفون بدورهم وبحكم التجربة أو باتفاقٍ مسبق ،كيف يردون الجميل!

إلى الصفقاتِ المسرّبةِ إلى الداخل يكشفُ الإعلامُ بعضها مرّةً وأخرى: من أغذيةٍ فاسدةٍ وأدويةٍ منتهيةِ الصلاحيّة وموادَ استهلاكيةٍ مختلفةٍ لا تحمل الأوصافَ القانونية، ما يعرّض المواطنين لأفدح المخاطر ويسلبُ الخزينةَ أحدَ أهمِّ مداخيلها، أضِفْ إليها كساراتٍ ومقالعَ و.. جاورت مجاريَ الماءِ والأنهار ترمي فيها نفاياتِها وسمومَها، تكادُ تحوّل أطولَ وأجملَ نهرٍ_ حسب موظفة في البيئة_ إلى مجرور! مثمنين الجهود الاخيرة لمدير مصلحة الليطاني، عساها تُتوج بكاملِ النجاح ويتنفسُ النهرُ الصعداء.

أضف إليها مصنَعاً أو مشغلاً لمحظوظٍ وآخر، يحميه طرفٌ سياسي أو نافذٌ في الدولة، بُرّرت الحماية، مرة، كما عن مسؤول: أن المصنع يضمّ عشرات الموظّفين وهم أصحاب أُسَر… دون الالتفات إلى مئات الألوف من المواطنين يعرضهم ماء النهر الملوث – بنفايات هذا المصنع وغيره – الى شتى المخاطر والامراض!

إلى لوائِحِ التوظيفِ بلغتْ آلافاً دفعةً واحدة قُبَيلَ الانتخاباتِ الأخيرةِ لا لحاجةِ الحكومةِ ولا بمعيار الكفاءة، بل في عمليّةِ تحاصصٍ “عادلة” بين الساسة الكرام، وعلى خلفيّة طائفيّة ومذهبية، دعماً لحملاتهم الانتخابية!

إلى فواتير الرحلات الدبلوماسيّة وما تستنزف على مدار السنة من نفقات الدرجة الأولى في الطائرة وفنادقِ الخمس نجوم، ليس لاحترامِ وراحةِ رئيسِ الوفد وحسب، بل لحشدٍ يليق به أو فقل يليق بمكانة لبنان من المرافقين والمقربين والأنصار، ناهيك عن رواتِبهم المميّزةِ وسيّاراتهم المفَيّمةِ ورواتبِ مرافقيهم، وإليك أنَّ عددَ المقرِّ لهم هذا الامتياز من الشخصيات السياسيّة يرقى اليوم إلى أحد عشر ألفا في حين كان المرسوم سنة 1955م. يجيز هذا الامتياز لأحد عشر شخصية رسميّة فقط!

غُول الفسادِ الأكبر- الكهرباء: سَجَّلَ قانونُ دعمِ الدولةِ لوزارته منذ صدوره عام 1994 حتى عام 2018م. الفائت (38) مليارا أي ما يوازي 40% من مجموع الدين العام المتصاعد كلّ سنة وبات اليوم يلامس المئة مليار.

في وقتٍ يؤكّدُ خُبراءُ الكهرباء على الملأ أن جزءاً بسيطاً لا يبلغُ سقفَ دعمِ السنة الواحدةُ يمكّنها من بناءِ أفضلِ المعاملِ وتغطيةِ كلِّ ما يحتاجُه لبنانُ من طاقة.

ناهيك عن العروض العلنيّة التي قدّمتها عدّة دول للبنان تُنهي أزمتَه بأرخصِ الكُلَفِ كألمانيا وإيران وأخيراً مصر، قبل تلميحِ رئيس المجلس النيابي مؤخّراً مبادلةَ الماءِ بالكهرباء مع الأردن.

لُغزٌ تعرفُ جوابَه جزماً، كما نقدّر، شبكةُ الموتيرات الأخطبوطيّة المنتشرة في كل مدن وبلدات لبنان، وتعرفه كذلك البلديّات الموقّرة، ودون شك عزيزتُنا الباخرةُ “كَول” وأترابُها المهذّباتُ اللواتيَ يزرنَ شواطئ لبنانَ الجميلةِ بين الحين والحين!

وفي هذا السياق تسمع ما يضحك الثكلى: عَنيتُ مخصّصاتِ “سكّة الحديد” في لبنان، وهي التي توقّفتْ عن العمل كما يَعرفُ كلُّ اللبنانيّين، وعَفَّى عليها الزمنُ منذُ عقود ، وكنا نتمنى في الأقلّ لو أُنفقت – هذه المخصصات – ـ للإبقاء على قطار السكة، قطار ِالزمن الجميل ، كتراثٍ لبناني جاذبٍ يذكّرهم بصوته الراعد، وموسيقى عجلاته الرتيبة، وعمودِ دخانه الذي ينفثه آهات ساخنة في الفضاء، وهو يُحاذي في رحلاته المنتظمة إلى الشمال والجنوب صديقه البحر، يعاود كلّ يوم مشاويره المنتظمة عبر حقولِ الموز والليمون. غير أنّ الأمنيةَ الأجدى أن يعود القطارُ القديمُ في إطلالةٍ عصرية حديثة كمؤسسةٍ حيويّة فاعلةٍ تربطُ ساحلَ لبنانَ بداخِله، ومُدُنَهُ بضيَعِهِ الجميلة، وكذلك ماضيه العذبَ الحلوَ بحاضره: أمنيةٌ لو تحوّلت حقيقةً عادت بالنفعِ على خزينةِ الدولةِ، المنهكةِ والتوفيرِ والمتعةِ على المواطن.

إمام مدينة النبطية

(جزء من مقالة أطول)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*