الرئيسية / مقالات / نظرة أميركيّة واقعيّة وموضوعيّة لجيش لبنان

نظرة أميركيّة واقعيّة وموضوعيّة لجيش لبنان

تلقّى “الموقف هذا النهار” قبل أيّام قليلة تحليلاً جديّاً وعميقاً وإن قصيراً عن الجيش اللبناني ودوره في بلاده منذ استقلاله، ولا سيّما في محطّات صعبة مرّ فيها لبنان كانت أهمّها وأخطرها في 2005 و2008 و2019. كاتب التحليل باحث أميركيّ جدّيّ عامل في مركز أبحاث معروف بسعة اطّلاعه وقدرته على الوصول إلى مصادر المعلومات. قرّرت نشر ملخّص له اليوم وقد أتحدّث غداً في “الزاوية” نفسها عن رؤية كاتبها لدور المؤسّسة العسكريّة ليس فقط في إنهاء المواجهة الحاليّة بين جهات شعبيّة كبيرة تجاوزت بنجاح الانتماءات الطائفيّة والمذهبيّة ومُستغلّيها والمُستفيدين منها، بل أيضاً في تأسيس لبنان آخر وطنيّ أوّلاً ودولة جديدة تُعبّر عنه، وتحمي شعبه من الخوف والفقر والحرمان والاستغلال والظلم والفساد وغياب التكافؤ وفرص العمل والخدمات الاجتماعيّة وأهمّها على الإطلاق العلم والطبابة.

ماذا جاء في التحليل المُشار إليه؟

“جعلت الاحتجاجات الشعبيّة في الشارع ضدّ الطبقة السياسيّة والنظام السياسي المذهبي (والطائفي) القوّات المسلّحة اللبنانيّة مؤسّسة لا يمكن الاستغناء عنها في المحافظة على الاستقرار الداخلي في وقت يلوح فيه تغيير لا تزال ملامحه غير واضحة ولا يمكن توقّعه. وحدود مُهمّة هذه المؤسّسة سهلة ظاهراً لكن سهولتها خادعة. فهي تتضمّن حماية المؤسّسات الحكوميّة الرئيسيّة والشعب والوقوف إلى جانب المُحتجّين وتأييدهم. ولهذه الغاية نشر الجيش أخيراً وحداته العملانيّة كلّها، وهي تُقدّر بنحو ثمانين في المئة من عدده البالغ ثمانين ألف جندي ورتيب وضابط. وطوال هذه الاحتجاجات غير المسبوقة عملت القوّات المُسلّحة للمحافظة على توازن صعب جدّاً بين حاجات النظام اللبناني المذهبي (الطائفي) ومخاوفه وبين طموحات الجماهير التي تنشّطت بقوّة حديثاً. ووضعت جانباً دعوات الجهات العاملة في داخله وفي إطاره لها لإنهاء الاحتجاجات فحافظت بذلك على التعاطف والمحبّة اللذين يكنّهما الشعب لها. وإذا تحوّل اليقين أو الشكّ إلى دورة اضطراب مدني ستقوم النخب المذهبيّة السياسيّة في لبنان بمضاعفة مطالباتها للقوّات المُسلّحة بإعادة الوضع إلى “استقراره” السابق محاولة بذلك اكتشاف نيّات قياداتها. ونظراً إلى التنوّع الطائفي – المذهبي داخل الجيش (ضبّاط ومُجنّدون) فإنّ قيادته لا تستطيع إلّا التعاطف مع المُحتجّين والطبيعة التاريخيّة الحقيقيّة للأحداث. وبذلك تُواجه القوّات المُسلّحة امتحاناً “مُفتاحيّاً” هو الآتي: فهي تستطيع إمّا المحافظة على ثقة الأعداد الكبيرة من المُحتجّين، وإمّا تتّخذ موقفاً مغايراً من شأنه إحداث مصيبة أو كارثة وبمستوى لا يستطيع أحد التكهّن به ولا فهمه على نحو كامل. فالطابع العابر للطوائف والمذاهب في الجيش ساعد في تثبيت دوره وموقعه كمؤسّسة هي الأكثر شعبيّة على الصعيد الوطني. ومن الضروريّ في هذا المجال فهم كيف تصرّف مع الاحتجاجات السابقة وحالات الاضطراب المدني”.

شرح الباحث الأميركي نفسه ذلك على النحو الآتي: “في الـ 2005 وبعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري رفض الجيش تنفيذ أوامر قمع للتظاهرات الشعبيّة التي سارت في الشوارع احتجاجاً على ذلك تلقّاها من حكومة عمر كرامي. فهو استشفّ تغيّراً أو تحوّلاً في ميزان القوى داخل لبنان والمنطقة، واختار التصرّف كمُخفّف للصدمات (Buffer) وحامٍ للمتظاهرين المعارضين لسوريا. لكنّه في أيّار 2008 اختار عدم الانخراط في الصدامات التي حصلت بين “حزب الله” و”برعم” ميليشيا حركة “المستقبل” السُنيّة. وفي أثناء مناقشتي وبحثي في الخلفيّات مع ضبّاط جيش كبار عام 2014 صوّر لي بعضهم موقف 2008 بوصفه تعبيراً عن الحياد. وآخرون رأوا عدم تحرّك الجيش في حينه إضاعة رئيسيّة لفرصة. ورغم ذلك فإنّ أزمة 2008 أكّدت عدم القدرة عن الاستغناء عن الدور الداخلي للجيش بوصفه متراساً ضد أي مواجهة سُنيّة – شيعيّة. وبالنسبة إلى القوّات المُسلّحة فإنّ الاحتجاجات الحاليّة لا تُشبه دورات الاضطراب المدني السابقة. فالتظاهرات المُعادية لسوريا عام 2005 افتقرت إلى “عبور” صلب للطوائف والمذاهب جراء غياب الحجم الكبير للشيعة عنه ولمجموعات أخرى تسعى إلى علاقات ودّية مع سوريا. وأزمة 2008 بلغت قلب التوتّر السنّي – الشيعي في لبنان. وفي 2015 وُجّهت تظاهرات “طلعت ريحتكم” ضد فشل نظام التخلّص من النفايات، ولم تشارك فيها أعداد كثيرة من فقراء لبنان وطبقته الوسطى الذين بقوا أسرى القوى السياسيّة الطائفيّة – المذهبيّة المُتصارعة”.

ماذا عن تظاهرات 2019 في تحليل الباحث الأميركي نفسه؟ أجاب: “ليس لها مساوٍ في مرحلة ما بعد الاستقلال. وما دفع إلى تحديدها على هذا النحو اتّساعها الجغرافي خارج بيروت الكبرى وعبورها الخطوط العنيدة للانقسام الطائفي – المذهبي. ولا ينفي ذلك الأخطار (المخاطرات) الهائلة التي قام بها فقراء وأبناء طبقة وُسطى من الطائفة الشيعيّة باشتراكهم في التظاهرات في كل لبنان. علماً أنّ الأخيرة تحظى أيضاً بتأييد فقراء السُنّة وأبناء الطبقة الوسطى منهم في طرابلس كما في كل لبنان. وقد عبّر اللبنانيّون من خلال الأحداث الأخيرة عن مواقف مُشتركة متعلّقة بظروف اجتماعيّة – اقتصاديّة، وبالجنسيّة والانتماء الوطني. وكنتيجة فإنّ التظاهرات التي وُلدت من الإحباط تجاه النخبة الحاكمة، واخترقت خطوط الانقسام الطبقي والطائفي والجغرافي، رنّت مع روح وتطلّعات وصورة الاحتراف عند القوّات المسلّحة. والآن أطراف لبنان الطائفيّون – المذهبيّون كلّهم يرون خليط التظاهرات تهديداً وجوديّاً لنظام ما بعد الحرب الذي أقاموه، وقد ضغطوا على الجيش لإفراغ الشوارع وفتح الطرقات في كل البلاد. في أي حال، لم يبالِ الجيش بالدعوات إلى إفراغ مراكز الاحتجاج في بيروت وخارجها. وفي الحقيقة فقد ردع مُتعاطفين مع “أمل” و”حزب الله” ومنعهم من تمزيق تظاهرات المدينة. وبعد إطاعة المتظاهرين أوامر إزاحة العواق من طريق جونيه – بيروت عاد عن ذلك مُفضِّلاً عدم كسر الإيمان والثقة بينه وبين المُحتجّين واللبنانيّين إجمالاً. أخيراً أكّد الجيش علانية وقوفه مع حق المتظاهرين في التظاهر السلمي طالما تجنّبوا إلحاق الضرر بالمنشآت العامّة والأملاك الخاصّة. وبينما يستمر الاضطراب المدني فإنّ القوّات المُسلّحة سيُطلب منها القيام بدور أكبر بسبب التحدّيات الاقتصاديّة والسياسيّة المقبلة. وحتّى ذلك الوقت على الجيش حماية صورته مؤسّسة وطنيّة، ويعني ذلك الإبحار في حقل الألغام اللبناني المتغيِّر باستمرار مع المحافظة على الإيمان الفعليّ للبنانيّين به. وأي تصرّف مُخالف لذلك سيكلّفه غالياً. وما يحتاج إليه أكثر من أي شيء آخر هو ثقة الشعب به وتأييده له”.

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد