الرئيسية / home slide / نسيب عريضة: طيرٌ نامَ على أغصان الغربة

نسيب عريضة: طيرٌ نامَ على أغصان الغربة

نسرين بلوط
القدس العربي
24112022

عندما سخّر الله الأقلام كي تحكمها المواهب التي تحاكي الصحراء في أحجية ناموسها الذي سنّه الغيب، مواكب قدسيّة لا تطالها أجداث الغيوم المتناثرة في الفلك، أو المحكيّة في أسرار الحلك، جعل الشاعر يحكم العالم حتّى لا تمضي الحياة بإيقاعها العادي، ولتصدر الرّيح وشوشتها الخفيضة لقصائد من نور يخلّدها الزمن وتتجلّى كلماً في طيّات المجهول.
وولادة الشاعر تحضر دوماً في الأزمان الحالكة التي يسودها الظلم ويقبض على رقابها الجور والاستعباد. وفي حقبة خالدة من تاريخ بلاد الشام، حين كان الحكم العثماني سائداً وبائداً للأرواح، يغرق الناس في شجون الذلّ والفقر والعوز، ويشرّع الغرق للأبرياء في لجج الذلّ، وتحت عقارب الأصفاد المتدليّة من الاستعمار، و»الأرق» من لذعة الجوع وتداعياته التي تهدم جبالاً، وتغذّي بذرة الانتقام في نفوس الغارقين والجائعين، فيُشحن دمهم بالمكر والنفاق، ويعمّ الجدل والشقاق.
وبدل أن يتغنّى شاعرهم بالنور، يصبح عبداً للظلام والضلال. ففي ذلك الزمن، كان قلم الشاعر ملجماً لا ملهماً -لا يستطيع الإتيان بما يدّخر في عمق نفسه من اعتراض أو موقفٍ رافضٍ للوضع السياسيّ الرائج، فمن يمدح الحاكم أو نائبه أو حاشيته يصبح شاعر الأعيان، ومن يذمّهم يُستباحُ دمه ويُهدر حبره وتُسبى كرامته. وعندما نشأت الرابطة القلمية في أمريكا واجتمع فيها أدباء ومفكّرون عرب، سئموا من أجواء التبعية والرجعية، وانبروا يخطّطون لعالمٍ ميتافيزيقيّ بحت، تزدهرُ فيه العواطف وتكتسي المشاعر ببردة الحنين، وتهصر الشوق من مواسم الطيور، فقد فقدوا ظلّهم في رحاب الوطن وبقي قلمهم الشاهد الوحيد على بقائهم أحياء يرزقون.

هناك في بلاد الغربة حيث يئنّ القلبُ بوجع الفراق، ويخترقُ ضباب المسافات متسكّعاً بوهم العودة، وضع أعضاء الرابطة القلمية صفحات ممزّقة من ذاكرة الوطن، ليرتقوا حروفها بأحلامهم وتساؤلاتهم، وكان نسيب عريضة شاعرَ الصلاة الموحّدة للأديان، التي سعى من أقصى المدينة إلى أبعد قرية أن يظهرها للناس، من خلال قصائده الوهّاجة. وكان عريضة محبّاً للشعر عاشقاً لمن ينظمه ومسكوناً بالرّغبة في كتابته، وكان صديقه المقرّب الأديب ميخائيل نعيمة صدىً لتأوّهاته وشكواه، يبثّه ما يثقل عليه من ألم الوحشة والفرقة.
في قصيدته «صلاة» يقول عريضة:» وقَفْتُ وقد ضاقَ بي/ سبيلُ المُنَى الساخِرةْ/ ولم يبقَ من مَذْهَبي/ سوى كَدَرِ الآخِرَةْ/ وقفتُ وحيداً ضَلُولاً/ ضعيفاً حليفَ الشَّجَنْ/ أُريدُ الصلاةَ طويلاً/ لِمَنْ؟ كِدْتُ أنسى لِمَنْ؟/ إلى مَنْ يُصلِّي فتى /تَعَوَّدَ غيرَ الصلاةْ/ وأَشْغَلَ قلباً عَتَا/ وَضَلَّ بغيرِ الإله/ أيَا مَنْ سناهُ اختفى/ وراءَ حُدودِ البَشَرْ/ نَسِيتُكَ يومَ الصَّفَا/ فلا تَنْسَنِي في الكَدَرْ».

هي صلاةُ الغربة البائسة التي يتلوها شاعرٌ عاش في مسقط رأسه حمص، ثمّ انتقل للدراسة في مدينة الناصرة، وسافر من بعدها إلى روسيا وأخيراً استقرّ به المقام في مدينة نيويورك الصاخبة بأجوائها، والعابثة بأهوائها وأحوالها، يتسقّط أخبار الوطن برموشٍ أضنتها دموع الغواية لفرط شوقه لبلده، واكتسبت صمتها من موانئ المدن العابثة. ومثل طيرٍ ينتفض شوقاً لفضاء الحريّة التي ضنّت بظلالها على أرض الوطن، تنقّل عريضة مغرّداً بين الصحف التي أنشأها مثل مجلة «الفنون» أو شارك فيها كمحرّرٍ مثل جريدة «السائح» و»مرآة الغرب» وصدر ديوانه «الأرواح الحائرة» مساراً ميثيولوجيّاً لعتابٍ موشّحٍ بغصّات البعد وتساؤلات الغد، فانبرى يخاطب القلم كأنّه أصل الحكاية، ومنبت العشق وجذوة الترحال، يناغيه ويناجيه ويستدعيه في خشوع، فكتب: «أوهِ ألَم يُــكـتَـب هـذا القَـلم/ إِلا بأن يَشكو الأسى والألم/ يـا قـلَمي الشارِبَ خَمرَ الشَجا/ والمُـسـمِعَ الطِرسَ صرِيرَ النِقَم/ مـن أيِّ غُـصـنٍ قـصَّكـ المُـبـتـري/ مـن أيِّ غَـيـمٍ قـد سَقَتكَ الدِيَم/ أفـي حـمـى الغِـربانِ ثُقِّفتَ أم/ بـيـن خَـوافـيـهـا ألِفتَ الظُلَم/ نــشـأتَ نَـعَـابـاً فـلا غَـروَ أن/ تَـحـسِـبَ أنَّ النَـعـبَ كـلُّ النَغَم/ أم كـنـتَ عُـوداً عـنـدَ مُـستنقَعٍ/ فـي نَـبـتـةٍ تَـمـتَصُّ ماءَ الرِمَم/ أم عِـشـتَ في ظِلٍّ من الغابِ لم/ تُشرِق عليه الشمسُ منذُ القِدَم/ فـاسـكُبُ على الأبيضِ من أسودٍ/ يلذَعُ في الأوراقِ لَذعَ الحُمَم/ مـا الحِـبـرُ مـا تَنفثُهُ ناقماً/ ذاكَ سُـويـداءُ الحَـشـا يا قَلم».

وقد ألحّت عليه صورٌ متتابعة لطفولته وذخيرةٌ نابضة لذكرياتٍ عايشها صغيراً وكبرت معه بعد هجرته الموحشة، فانبرى يترنّم بأهازيج الجنون الذي ولّده التوق للماضي، ممّا يجعل الواقع من حوله بالغ الغموض لا يستطيع أن يتقبّله أو يتبنّاه، وفي قصيدة «حمص» يلوّح بهذا الاغتراب الحقيقيّ والانسياب اللاإرادي لشلّالات الوله المتدفّقة من حروفه بعد أن أوغل ليل الشجن في الظلمة، فيقول مبشّراً بالديار التي تلوح مثل بقعة من ضوء في البعيد: «صُوَرٌ تَلوحُ لخاطرِ المَعمودِ/ ما بينَ أرباضِ المُنى والبِيدِ/ خَفَّاقةٌ فيها بُنودُ العِيدِ/ بسَّامةٌ فيها ثُغورُ الغِيدِ/ تَجلو رُؤى ماضي الهَوى المفقودِ/ وَقفَ الفؤادُ أسيرَ بارِقِ نارِها/ يَهفُو إلى ما لاحَ من أسرارِها/ لِمَن الدِيارُ تَذوبُ من تَذكارِها/ مِن بَعدِ طولِ نوىً وفَرطِ جُحودِ/ يا مُوثَقاً من شَوقِهِ بقيودِ».
لقد كانت الرابطة القلمية التي جمعت كبار الأدباء العرب بمثابة انطلاق وانعتاق لحناجرهم، فقد ترجمت مواجعها لقصائد وقصص وروايات ونقد وفلسفة وترجمة ومراقد للريح، التي تقبض في كفّها حفنة الشغف وتمضي من ضفّة إلى ضفّة، عاشقة لصدى الناي وممزّقة عوارض المسافة لتحيا من جديد. وفي هذه القصيدة يخاطب عريضة صديقه في فلسفة الحياة وتأويلاتها، والعمر الذي يوشك أن ينكفئ لولا تشبّثه ببقيّة أمل، فيقول عازفاً سمفونيّة الحلم والهاجس: «يا رَفيقي على طرِيق الحَزانى/ سِر فإِنَّ القَضاء أَقصى مَدانا/ سِر بنا نَقطَعُ شَوطاً/ قبلَ أن تَفنى اللَيالي/ طالَ هذا الدَربُ/ والعُمرُ قَصيرٌ في المَجالِ/ قَد تَعِبنا وَضَلِلنا/ في أحاديرِ المُحالِ/ وسَرَينا ودَلَجنا/ خَلفَ أَظعانِ الخَيالِ/ وَظَفِرنا بِوصالٍ/ وحَظينا بِجَمالِ/ فَكرها كلَّ حالٍ/ طَمَعاً في غير حالِ/ ثم صِرنا بينَ هاتِيكَ/ وهذِي لا نُبالي/ نَحمِلُ الحُزنَ شِعاراً/ لشَقاء واحتِمالِ».
بين كرّ وفر، عاش نسيب عريضة يفرش بخور الرياحين في مدى قصائده، وارتفع مع هامات الشجر التي رسمت المعنى البعدي لكتاباته، فعايش صراع الثقافات واللغات، ورتق الانسجام الكامل بين الروح والحرف والمعنى في قرابةٍ لامرئيّة، وقدّم روحانيّات وإشراقات بديعة بين ثنايا كلماته في تناغمٍ وتلاحمٍ فريدٍ من نوعه. رأى الشوك في الورود وضاقت بأنغام حماسته السماء ليضبط إيقاعها قلمه، لكنّه لم يبالِ بالموت حقّاً قدر ما تساءل عن كنهه وأسراره الدّفينة، حلم فكتب، وكتب فشمل الكون بعطفه وتحدّى معاثر الطريق وأبحر في خضّم هائل اقتحمه بشراع قلمه وضرب فيه بمجذاف السكون.

كاتبة لبنانية