الرئيسية / home slide / نسب أديب حسين تربط القدس ببيروت بجسرٍ من “الرسائل”

نسب أديب حسين تربط القدس ببيروت بجسرٍ من “الرسائل”

11-01-2023 | 19:21 المصدر: باريس- النهار العربي

أحمد المديني

لوحة للفنان اسماعيل شموط

تُعدُّ الرسائلُ نوعاً من شجرة النثر الكبرى وُجدت منذ ظهرت الحاجة إلى تبادل الأخبار وإيصال الأوامر من الحكام إلى الأمصار، هي والأسرار التي تُنقل يداً بيد لأغراض شتى بين الأقطار.

ومعروف في تاريخ هذا النوع تعدُّدُ مراميه وأشكاله ومضامينه عُرِف منذ القدم عند سائر الشعوب واعتُمِد كذلك بين العلماء والكتّاب، ولنا نصيب منه معتبر في تراثنا منذ نشأة ديوان الرسائل، وبعد أن اختُصّ لها بدءاً من القرن الثالث كتاب رسميون يجيدونها ببلاغة وبيان.

ونعلم أيضاً أنها اتخذت طابعاً أدبياً صرفاً، وقد تحولت واعتُبرت عند الدارسين نوعاً نثرياً مميزاً، لا سيّما حين يُستخدم لغرض لأدبي أو يُتوسل به صيغةً لجنس آخر، وهو ما حدث عندما ظهرت الرواية التراسلية (le roman épistolaire) شهدت ميلادها في القرن السادس عشر وطفقت منذئذ تتطور أشكالاً وأسلوباً ليصبح فناً مستقلاً أو طريقة ضمن نسق تخييل كبير. عند الأديبة الفلسطينية نسب أديب حسين تُعالج هذه الكتابة أكثر من غرض وغير هدف، ما عدا أن تُعتَمَد للخيال.

في كتابها الجديد “رسائل فوق المسافات والجدران لاـ القدس.. بيروت على حافة لقاء” (دار طباق، رام الله، 2022) تذهب الكاتبة إلى بناء عمارة من طبقات على قاعدة نصوص الرسائل، بالحفر والتنقيب والتحقيق والبحث عن الأصول وبالأسئلة الملحاح، كي تصعد أمامنا العمارة الفلسطينية بأدوات الانتساب العائلي والطائفي والوطني المحلي وبامتداد جذورها في الخارج والشتات. هي تُبنى بآلات وآلية التراسل المتبادل بين أبيها أديب القاسم حسين (1929ـ 1993) والمؤرخ اللبناني عجاج نويهض (1896ـ1982).

أما شروعها في البناء فتمّ صدفة وهي تحاول ترتيب أوراق أبيها سنوات بعد رحيله في بيت العائلة استعداداً لتحويله إلى متحف، وهي بهذا الصدد عثرت على رسالة أولى من المؤرخ نويهض، فأثارت فضولها وعملت في النبش لتخلُص إلى أن الرسائل تبودلت أعوام 1964 و1972 و1973 وصفتها بأنها: “حملت الهمّ الذاتي والاجتماعي والوطني والثقافي، وكانت نافذة يُطل كل منهما من خلالها على وطن الآخر الذي يعتبره وطنه ليعرف أخباره” (23)، وللإيضاح فالأب أديب كان يراسل من نيويورك التي رحل إليها لاستكمال دراسة طب الأسنان، أما الأستاذ نويهض ففي لبنان، ومن رأس المتن حيث أقام بعد طول ترحل، وللرجلين قصة حياة ثرية تنقلاً ومعرفة.

قلت إن نسب حسين كاتبةٌ أديبة، وهي قاصة لها مجموعتان ورواية ونشرت خصوصاً كتاباً مميزاً في فن اليوميات عن القدس مدينتها حيث تعيش وتعمل منذ سنوات: “أسرار أبقتها القدس معي” (دار الجندي، 2016) صوّرت فيه ببراعة المكانَ والناسَ والمعيشَ اليومي وتنازعَ الفلسطيني بين تشبثه بموطنه وسطوة الاحتلال.

وهي بعد هذا دارسة أعدت أبحاثاً جامعية عن التراث المتحفي في القدس، وتتولى بنفسها إدارة متحف خاص في بلدتها الأم (الرامة) في الجليل الأعلى، حيث عاش والدها بعدما طاف في أميركا وعمل في زيوريخ وعاد ليستقر في وطنه الذي لا بديل له منه رغم إغراءات الخارج، وانتقلت هي إلى القدس دارسةً متخصصة في الصيدلة ومنخرطة في أنشطة ثقافية في سائر التراب الفلسطيني. تستخدم هذا التراكم في صُنع ما يشبه قصة مكتملة الأركان عبر صدفة العثور على رسائل أبيها، فتعرّف بشخصياتها، وإقاماتها، ومساراتها، ثم تقدم إلينا الرسائل على وجهين، المخطوط الأصلي مُصوّراً صنيعَ محقّقي المخطوطات، والنصّ مرقوناً قابلاً للقراءة. وفي الحالتين نتعرف على (أسباب النزول) والمشاعر المبثوثة والأخبار المنقولة والقاسم المشترك لهموم الشخصيتين. أوله أن منشأ التراسل بُنيَ على ثلاثة أسباب: عصب الانتماء الطائفي، فكلاهما ينتمي إلى الطائفة الدرزية بين لبنان وفلسطين، الثاني، الإعجاب بالقيمة العلمية للمرسَل إليه (نويهض)، الثالث، تبادل الأخبار عن أحوال الفلسطينيين وأبناء الطائفة في الداخل والمهجر.

صياغة السّيرة

بالطبع، إذا كان نشر الرسائل يمثل بالنسبة إلى الكاتبة جزءاً من صياغة السيرة الشخصية لأبيها بيوغرافيا والتفاتاً لطفولتها لم تعرف من الأب إلا هذه المرحلة؛ فإنّ الأهم والمراد حقاً هو التذكير بجملة حقائق تاريخية ومواقف سياسية إما تخص الطائفة، أو تاريخ احتلال فلسطين والتهجير، ذلك أن المؤرخ عجاج نويهض عاش في القدس وعمل فيها ثمانية وعشرين عاماً. وكذلك في رام الله وحضر في ظروف 1948 وانتقل إلى عمّان قبل أن يعود للاستقرار في بيروت ويعكف على التأليف، وفي كل الأوقات فهو كان قومياً مؤمناً بقضايا أمته يستخدم كثيراً هذا التلفظ والنبرة، فهو، مثلاً، يخاطب الأب أديب، للعلم بينهما فرق سن شاسع، لذلك يسميه (ولدنا العزيز)، والثاني يلقبه (والدي الروحي) بأنه: “من أبرز أبناء الأمة والعاملين على الذود عن حياضها، وأنت من المعدن الطيّب الذي يدرك بعين العقل والتجرد ما على الأمة العربية من واجب النضال لقهر عدوّها الرابض كالذئب في  أعزّ رياضِها”( رسالة 1/3/1973).

كذلك موقفه من الصهيونية، وتحليله لحرب 1973 يعتبرها الحرب الوحيدة التي خاضها العرب ضد إسرائيل وانقصم فيها ظهرها بينما يصف الحروب الأخرى بالمؤامرة (1948) والعدوان. ومن جانب آخر، تكشف الرسائل من جهة المرسِل المؤرّخ عن حرصه على تتبع أحوال طائفته وتنبيهه الولد العزيز للانتباه للحبائل المنصوبة لعزلها عن محيطها العربي، والحرص على استطلاع الأحوال بما يقيم جسر تواصل متيناً بين أبنائها “فوق المسافات والجدران”.

وتكون رسائل الأجوبة إلى (الوالد الروح) حاميةً شافية تحكي عن الأوضاع العسكرية والمعاناة المادية والنفسية للسكان العرب في الداخل الفلسطيني تحت الاحتلال، وتتضمن معلوماتٍ ومحكياتٍ ثرية تضعها بمثابة وثائقَ تاريخية عيانية عن المرحلة في 1973، ولا يوفر أبناء عشيرته غيرةً عليهم من النقد، كما يورد أسماء أعلام بارزين في الصحافة والسياسة نافذين.

تاريخ العائلة

قلت أعلاه إن الكاتبة نسب أديب حسين التي حذفت اللقب العائلي القاسم، كما عند أبيها وعند عمها الشاعر المشهور سميح القاسم، بَنت عمارةً بطوابقَ لكي تُعيد تأسيس تاريخ العائلة والمجتمع والوطن والقضية الوطنية الفلسطينية، أرى أن طابقها الأعلى وزينتها هو الرسائل التي تبادلتها مع الأستاذة بيان نويهض الحوت، كريمة المؤرخ نفسه، وهي نوعان ومرت بمرحلتين: الأولى من جهة نسب أديب تستفسر فيها مخاطبتها عن عدد رسائل تعتبرها ضائعة من بريد أبيها وتطلب الحصول لو هي بحوزتها على نسخ مصورة لها، ومن ثم يمتد حبل التواصل بينهما، وهما من عمرين متباعدين جداً، الكاتبة شابة في عنفوان الشباب، والأستاذة لها أحفاد، فكأنهما يجددان أمس حين كان الأب الطبيب يراسل المؤرخ الشيخ، لنرى جيلاً يخلُف آخر حاملاً وصاياه ووفياً لعهوده.

مرحلة ثانية، تبدأ بعد أن تُخطر السيدة بيان نويهض بنتها الروحية نسب أنها عثرت أخيراً على الرسائل بعد جهود التنقيب في مكتبته، وهنا نقف على شهادة غنية لما تعرضت له الخزانات والمكتبات الشخصية في لبنان من أضرار وتلف جرّاء الحرب الأهلية فضاعت ذخائر ونفائس. يتواصل التراسل إلى تاريخ 2/2/2022 به ينتهي الكتاب الذي يتشكل بعملية دائرية، إذ مادته تبدأ مع أول رسالة تبعثها نسب أديب من فلسطين إلى لبنان بتاريخ 27/3/2013 فتكون الفترة الزمنية للعلاقة التراسلية تسع سنوات خلالها أعدت مادته واكتمل بين يدي واضعته بعودتها من جديد إلى البدايات.

لنسجل أن هذا الكتاب الطريفَ شكلاً والغنيّ محتوى، والفريدَ وثائقَ وشهاداتٍ، يمثل في النوع الثاني من رسائله، والتي تطوي في الحقيقة بين دفتيها المتن التراسلي بين الأب والأستاذ، نصاً مُطوِّراً لها من ناحية معرفة أين وصل النضال من أجل القضية الفلسطينية وأوضاع فلسطين تحت الاحتلال وفي لبنان في سياق عام؛ وفي الوقت نفسه، وهنا تبرز خصوصية تأليفه وإبداعيته، نرى كيف تولد علاقة إنسانية وأمومة روحية وحوار ثقافي أدبي زيادة على تقاسم الهموم الوطنية والقومية.

هي رسائل امرأتين من جيلين مختلفين ولكن بحساسية متقاربة، لأن جذورَهما واحدة وآمالَهما مشتركة واهتماماتهما الأدبية والفكرية متحاورة، فيجد القارئ أمامه خبرة ومعرفة باحثة واطلاعها على أحوال الزمن اللبناني المديد بتشعّباته من منظور باحثة وأديبة تعتبر نفسها من جيل النكبة، أمضت حياتها في أتون حرائقه وتعرّضت للمنفى وتقلبت في مِحنٍ وخاضت معاركَ هادفة ولا تزال واقفة. ثم سيطلع القارئ على آراء نقدية عن الأدب عامة والقصة خاصة، تلك التي علقت بها على الكتب الأدبية لابنتها الفلسطينية الروحية طلبت فيها الرأي فلم تبخل به وبالإعجاب مبلغه. بما يجعل من رسائل بيان نويهض الحوت وثيقة غنية شاملة وشهادة لافتة مكمّلة لأبيها المؤرخ عجاج نويهض وجزءاً من صفحة لبنانية نيِّرة.

أمّا نَسب أديب حسين القاسم، بعد جهد البحث والتنقيب والسعي الدؤوب لجمع مادة كتابها فأثنت عليها المرسل إليها بهذه العبارات: “أخبريني، كيف استطعت أن تبذلي كلّ هذا الجهد وجدانياً وفكرياً ونفسياً لتجعلي من تلك الرسال كتاباً. صدّقيني، لم يكن هذا يخطُر لي على بال” (274)، فإنها قدمت لنا برهافة إحساس ورجاحة عقل وجزالة لفظ وطلاوة أسلوب ووعي عميق وعين بصيرة بواقع الفلسطيني العربي المعقد في وضع الاحتلال صورة بانورامية ومتفردة، واقعيةً وهي صاحبتُها، فنحِس بجُرحها، وننكسِر لخيبتها، ونصبو مع آمالها، ثم نقتنع مرة أخرى بأن للأدب رسالة عظيمة، وهو ما برهنت عليه الأديبة الشابة نسب أديب، التي سخّرت البريد الإلكتروني ونجحت في جعله لا يقلّ عن سابقه الذي أعطى آيات في الإبداع، وأبهرت حقاً بإقامة جسر عائلي وعاطفي وقومي وثقافي متين من 1964 إلى 2022 ظنناه انهار إلى الأبد.