نساء يحفظن صناعة السجاد اليدوي في لبنان

اشتهرت بحياكته ذوق مكايل في كسروان وعيدمون في عكار وعرسال والفاكهة في البقاع

هلا كريّم 
مراسلة 
 الاثنين 20 يناير 2020 14:27
https://www.independentarabia.com/

الدولاب الذي يغزل عليه الصوف لتحويله إلى كباكيب وشلل (اندبندنت عربية)

تلبس الأرضيات في الشتاء رداءها الخاص لتواجه البرد وتدفئ الناس في البيوت والأماكن المغلقة. سجاد من كل الأنواع والأحجام والنقوش، من الصوف والقطن والحرير والبوليستير ومواد أولية متنوعة، يحاك وتختلف نقوشه التقليدية حسب الأماكن الجغرافية وحضاراتها وثقافاتها. أما السجاد المودرن فنقوشه تكاد لا تنتهي.

ما إن نذكر كلمة سجاد حتى تكاد تكون كلمة عجمي التكملة البديهية له. فلقد اشتهر السجاد العجمي بحبكاته ومتانته ومكانته وصار مضرب مثل في الجودة، ومن أغلى أنواع السجاد، وتزداد قيمته مع مرور الزمن. وهذا لا يقلل من أهمية السجاد التبريزي والقوقازي والصفوي والبخاري والتركي والإسباني والبلجيكي والهندي وغيره وإن كان باختلاف الدرجات والأهمية.

فقد عمدت البلاد التي يجتاحها البرد والشتاء إلى تدفئة ناسها بشكل رئيسي من صوف الحيوانات، واخترع الناس طرقاً عدة لاستخدامه، إما بوضعه كما هو أي الصوف أو الفرو ملصوقاً بالجلد بعد سلخ الحيوانات النافقة، أو بجزّ صوفها موسمياً من دون إلحاق الأذى بالأغنام، والاستفادة منها لسنوات عدة، وكان القطن والكتان والحرير ووبر الحيوانات يجمع لتحويله إلى خيطان وأقمشة متينة وأغطية.

جزّ الصوف وقطف القطن والكتان تطلب اختراع آلة لغزله ليبقى متماسكاً، بعدما كان يجمع يدوياً، فجاء النول اليدوي أو المنسج الذي عرف قبل الميلاد بنحو 4000 سنة، ثم مر بمراحل تطوير مع العصور.

وطوّر رجل الدين الإنجليزي إدموند كارترايت في القرن السابع عشر النول اليدوي وجعله يعمل على البخار، وكان مدخلاً للنول الأوتوماتيكي الذي انتشر لاحقاً، وجعل صناعة الأقمشة عامة أسهل وأسرع.

نهلا سكرية أشرفت على تدريب الصبايا على حياكة السجاد في جديدة الفاكهة (اندبندنت عربية)


السجاد اليدوي في لبنان إلى الزوال


يعتبر السجاد اليدوي الذي يعدّ من ألفه إلى يائه على اليد، ومن المواد الأولية الطبيعية، من أهم وأقدم أنواع السجاد التي باتت صناعته مكلفة كأي قطعة يدوية الصنع.

أصبح السجاد اليدوي قطعة نادرة لما يحتاج إليه من جهد بشري من ناحية، ولقلة العاملين فيه من ناحية أخرى بسبب عدم جدواه الاقتصادية.

عرفت حياكة السجاد اليدوي في مناطق عدة من لبنان مثل ذوق مكايل في كسروان وعيدمون في عكار وعرسال والفاكهة في البقاع.

وتشتهر منطقة الفاكهة في لبنان بسجادها الصوفي اليدوي. هذه الحرفة التي عرف بها نساء هذه المنطقة لمهارتهن ونقوشهن التقليدية الجميلة أصبحت في طور الاندثار. إذ لا يوجد عاملات حياكة يتقن المهنة بشكل كاف.

وقد قامت جمعية حماية الطبيعة العالمية SPNL منذ أعوام بمحاولة إحياء هذه الحرفة. فجمعت صبايا من لبنان وسوريا ودربتهن على يد إحدى السيدات الخبيرات والتي ما زالت تمتهن هذه الحرفة وتدعى نهلا سكرية.


هكذا يُصنع السجاد اليدوي
 

نهلا سكرية سيدة خمسينية من منطقة جديدة الفاكهة في البقاع الشمالي في لبنان تخبر “اندبندنت عربية” أنها تعلّمت حياكة السجاد منذ نحو 40 عاماً، فكان الصيف فرصة تتعلم عند جيرانها إلى جانب ابنتهم أصول هذه المهنة التي باتت على شفير الاختفاء.

ففي منطقة الفاكهة عدد من الصبايا لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة يتقنون هذه الحرفة اليوم. تقول نهلا إن الرجال لا يقومون بهذه الحياكة، فهي تحتاج إلى الصبر. وعادة ما تقوم إلى جانب سيدة أخرى أو اثنتين بحياكة أقل من 5 قطع صغيرة من السجاد الفاكهاني الشهير كل عام، بسبب قلّة الطلب أولا، وقلّة عدد الحيّكات اللواتي يعملن في الغزل والحياكة ثانيا.

وكانت نهلا قد علّمت ابنتها الحرفة، لكن الفتاة تخرجت في الجامعة وتزوجت وهاجرت إلى أستراليا.

وعن الدورات التدريبية التي قامت بها جمعية حماية الطبيعة لنحو 45 صبية من لبنان وسوريا وأشرفت نهلا على تدريبهن، تخبر أن صبية واحدة فقط بدأت بالعمل معها.

تقول نهلا إن سعر الدراع المربع (وحدة قياس تساوي 76 سنتيمتراً) من هذا السجاد تكلّف نحو 250 ألف ليرة لبنانية ما يساوي نحو 165 دولارا (بحسب سعر الصرف الرسمي). وتحتاج إلى نحو أسبوعين على الأقل لإنهاء حياكتها. هذا عدا عن وقت التحضير لتصبح جاهزة للحياكة، لذا يقل الطلب عليها.

عن هذه الحرفة تخبر نهلا التي تتخذها مهنة منذ أكثر من 25 عاما أنها تعمل على نول ورثته من أم زوجها التي توفيت. وأنها غالباً تحيك السجاد لأهل المنطقة وجوارها.

أما عن تقنية العمل فتخبر عن مراحلها التي تبدأ بشراء الصوف من راعي الأغنام “الغنام”، قد يكون إما مغسولاً أو يحتاج إلى الغسل. المرحلة الأولى تبدأ بتسريح الصوف بالمشط المغربي كما يسمى، ثم يغزل الصوف على دولاب خاص، ثم يجمع بطريقة “الكبكبة” كما نعرف كباكيب الصوف، ثم يشلّل أي يحوّل إذا شلل. هكذا يصبح جاهزا للصبغ.

أما الصبغ أو التلوين فيتم في حلّة (وعاء) كبيرة فتوضع الماء على النار، وما إن تصبح حرارتها فاترة حتى توضع بودرة الصبغة للون معين، أحيانا يستعاض عنها بتلوين طبيعي من قشر البصل وقشر الرمان والجوز وتبن القمح. بعد صبغ الماء وذوبان الصبغة كليا يوضع الصوف ويغلى حتى يأخذ اللون المطلوب. وأكثر الألوان التي تحتاج إلى وقت هي الأحمر إذ يأخذ نحو ساعة ونصف الساعة من الغليان.

بعدها، توضع مادة أسيدية حتى تصفو الماء وتتمسّك الألوان في الصوف. يغطى يوم كامل، ثم يغسل بالماء الباردة حتى تنظف الصبغة عن اليدين، وهذه دلالة على نجاح الصباغ.
 

سيدة تعمل على النول (اندبندنت عربية)


يخفف بعدها في الشمس لأيام عدة، فهو يتطلب يومين في الصيف وأياماً أكثر إذا كان الطقس بارداً. بعدها يكبكب الصوف المصبوغ ويصبح جاهزاً للحياكة.

يوضع السدى أي الخيط الأساسي على النول، ويكون مصنوعا إما من القطن أو من الصوف. تقول نهلا “نسدي وننيّر لنول” أي يحضّر الخيط الأساسي وما يسمى النيرة للإمساك بالقطب.

لكل سجادة قطب خاصة بحسب الطلب. وتخبر نهلا أن بعض النقوش محفوظة ظهراً عن قلب في الذاكرة، وتعمل عليها تلقائياً. وبعض الناس يأتونها بصورة لنقشة خاصة غير تقليدية تنقلها من الصورة.

يعمل على نول واحد ثلاث سيدات حيّاكات معاً في الوقت نفسه لتنفيذ قطعة واحدة عبارة عن متر بمتر ونصف. أما السجادات الكبيرة 3×4  أمتار وما فوق تحتاج إلى ست عاملات على النول.

ما يميّز سجاد الفاكهة بحسب نهلا أنه يبعث الدفء في الأماكن الباردة، وهو يورّث عبر الأجيال، ولا تحرقه جمرة، ولا يهترئ بسهولة، كما أنه لا يحتاج إلى الغسل إنما التنظيف الجاف.


إحياء الحرفة اندثر أيضاً

ويخبرنا طوني ناصر الذي كلفته جمعية حماية الطبيعة بإعداد دورات خاصة لمدة 3 أشهر للسيدات لتعلّم حياكة السجاد على النول، أن الكلفة كانت كبيرة إذ صنّعت الجمعية دولاباً ونولاً ومشطاً واشتروا الصوف، إن السيدات كن من لبنان وسوريا وكان لديهن معرفة طفيفة بالحياكة، صقلت وطورت، وتخرجت السيدات وأخذن شهادات وذلك منذ نحو 6 سنوات، ولكن حرب داعش والنصرة ووجودهم في الحمى في المنطقة منعت تكرار التجربة على الرغم من نجاحها.

يقول طوني إن بعض الصبايا اللبنانيات عملن في هذه الحرفة لاحقاً، لكن السوريات لم تسمح لهن الفرصة بسبب الحرب وبعدهن عن بيوتهن.

من مميزات السجاد الفاكهاني، وفق طوني، أنه مشغول من صوف الغنم مئة في المئة، لا يدخله أي صوف صناعي. وأن الأجيال القديمة في لبنان وسوريا قادرة على تمييزه بسرعة. وهذا السجاد مدة خدمته طويلة تصل أحيانا إلى ما يفوق المئة والخمسين عاماً.

وعن توافره، يخبر أن قلائل من يتقنون هذه الصناعة خصوصاً أن الجيل الجديد يبحث عن الأسهل والأسرع، إذ يحتاج إلى وقت طويل وكلفته عالية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*